الفصل الثاني تقسيمات التقيّة

إنّ التقيّة لها جهات أربع تنقسم من كلّ جهة إلى أقسام:

الجهة الاُولى: التقيّة بحسب الذات تنقسم إلى الخوفي ، والمداراتي ، والإكراهي ، والكتماني .

والمراد من الخوفي أن يكون منشأ التقيّة هو الخوف من ضرر الغير بأن يخاف إيصال الضرر إليه ، سواء كان الضرر على نفسه أو عرضه أو ماله أو ما يتعلّق به .

والمراد من المداراتي أن يكون المطلوب فيها المداراة مع العامّة لأجل وحدة كلمة المسلمين وجلب مودّتهم لأجل تقوية الدين .

والمراد من الإكراهي أن يكون منشأ التقيّة هو الإكراه من ناحية الغير ، وسيأتي البحث في الفرق بين الإكراه والتقيّة فانتظر .

والمراد من الكتماني ـ وهي التي تكون واجبة لا لأجل التحفّظ عن ضرر الغير أو المداراة معه أو إكراهه ، بل لحفظ المذهب ـ التحفّظ عن إفشاء سرّ أهل البيت(عليهم السلام) . وسيأتي تفصيل هذه الأقسام في البحث عن أنواع التقيّة .

الجهة الثانية: تقسيمها بحسب المتّقي ، فإنّه قد يكون من العوام ، وقد يكون من رؤساء المذهب ، فقد يكون إرتكاب بعض الأعمال من الشخصيات البارزة الدينيّة موجباً حرمة المذهب ووهن عقائد المسلمين(5) .

الجهة الثالثة: التقسيم بحسب المتّقى منه ، فإنّه قد يكون من الكفّار ، وقد يكون من سلاطين العامّة ، كما أنّه يمكن أن يكون سلطاناً شيعيّاً أو قاضياً كذلك ، وقد يكون من العوام ، ويمكن أن يكون من الله سبحانه وتعالى ، وسيأتي المراد منه .

الجهة الرابعة: تقسيمها بحسب المتّقى فيه ، فهو إمّا أن يكون حكماً شرعيّاً ، وإمّا أن يكون موضوعاً خارجيّاً ، والأوّل قد يكون فعلاً محرّماً ، وقد يكون تركاً للواجب وهو إمّا أن يكون تركاً لأصل الواجب ، أو يكون تركاً للجزء أو الشرط ، وقد يكون إتياناً للمانع أو القاطع .

والتقسيم بحسب الجهات الأربعة من أشعة اضواء فكر الإمام الخميني(قدس سره)على ما جاء في رسالته فيها(6) .

وهاهنا تقسيم جاء في كلمات السيّد الخوئي(قدس سره) فإنّه قال(7): إنّها تنقسم إلى أقسام ثلاثة:

الأوّل: قد يراد بها المعنى العام وهو التحفّظ عمّا يخاف ضرره ولو في الاُمور التكوينيّة ، كما إذا اتّقى من الداء بشرب الدواء .

الثاني: قد يراد بها المعنى الخاصّ ، وهو التقيّة المصطلح عليها ، أعني: التقيّة من العامّة .

الثالث: التقيّة من الله سبحانه وتعالى وهي مساوق لإتيان الواجبات وترك المحرّمات ، وليس لها حكم شرعي ، بل العقل يحكم بوجوبها .

النتيجة:

فالمستفاد من مجموع الكلمات بعد خروج التقيّة في التكوينيّات والتقيّة من الله تبارك وتعالى عن محل الكلام ، لعدم شمول تعريفها لهما ، أنّها تنقسم إلى التقيّة بالمعنى الأخصّ ، وهي التقيّة عن العامّة فيما يرتبط بالمذهب ، وهي المبحوث عنها في الفقه ، وإلى التقيّة بالمعنى الأعمّ ، وهي التقيّة من العامّة وغيرهم لأجل الإضطرار والخوف في التشريعيّات . والأوّل ينقسم إلى الخوفي والمداراتي والإكراهي والكتماني .

وجوه الفرق بين التقيّة بالمعنى الأخصّ والتقيّة بالمعنى الأعم:

الأوّل: مدرك التقيّة من العامّة ـ مضافاً إلى العقل في بعض أقسامها ـ هي الروايات الواردة في موردها . بينما أنّ المدرك في التقيّة بالمعنى العام منحصر في العقل ، فإنّه يحكم بلزوم التقيّة في موارد الضرر ، ولهذا يكون تقسيمها إلى الأحكام الخمسة على وفق القاعدة ، فتدبّر .

الثاني: إنّ الملاك في التقيّة من العامّة ، هو الملاك الذي ذكر في الروايات من الخوف والمداراة والكتمان والإكراه ، مع أنّ الملاك في الثاني منحصر في الخوف فقط .

الثالث: إنّ التقيّة بالمعنى الخاصّ قد يكون مطلوباً بالذات ، كالتقيّة الكتمانيّة ، وقد يكون مطلوباً بالغير ، كالتقيّة الخوفيّة ، بينما إنّ التقيّة بالمعنى العامّ يكون مطلوباً بالغير دائماً ومقدّمةً للتحفّظ عن الضرر .

الرابع: يمكن أن يقال بجريان قاعدة التزاحم في التقيّة بالمعنى الأعمّ في جميع مواردها ، وعدم جريان القاعدة في جميع موارد التقيّة بالمعنى الأخصّ ، بل في بعضها ، على ما سيأتي .

ثمّ اعلم أنّ كلمات الشيخ الأعظم(قدس سره) مضطربة جدّاً ، ولا يستفاد منها أنّه في مقام البحث عن أي قسم من هذين القسمين ، فيستفاد من بعض كلماته أنّه في مقام البحث عن التقيّة بالمعنى الأخصّ ، كتمثيله بالمداراة مع العامّة والعشرة معهم ، وأيضاً الفرق الذي ذكره بين الأقسام الخمسة وقال: يكتفى في التقيّة غير الواجبة بالموارد التي ذكرت في الروايات ، ويستفاد من المثال الذي ذكر للتقيّة المباحة والمكروهة أنّه في مقام البحث عن التقيّة بالمعنى الأعم ، فتدبّر في كلماته(قدس سره) .

الصفحة الرئيسية   
السيرة  
المؤلفات  
الدروس  
لقاءات صحفية  
محفظة الصور  
الذکريات  
اتصلوا بنا  
المواقع التابعة