الفصل الثالث التقيّة بحسب الحكم التكليفي بناءً على ما سلكنا سابقاً ، يجب البحث عن جريان الأحكام
الخمسة التكليفيّة في التقيّة بالمعنى الأعم ، وفي التقيّة بالمعنى
الأخصّ .
أمّا جريانها في التقيّة بالمعنى الأعمّ فيتصوّر فيها جريان جميع
الأحكام الخمسة: فقد تكون واجبة ، كما إذا كان ترك التقيّة مستلزماً
لقتل نفسه ، كما في إظهار الكفر إذا كان تركه مستلزماً لذلك ، وقد تكون
محرّمة وهي على نوعين:
حرمة تشريعيّة ، وهي التي كان منشأ الحرمة فيها التشريع ،
كما إذا أجبره الحاكم على الإقتداء خلف الفاسق ، فيصلّي الشخص خلفه لكن مع
نيّة التقرّب ، وهذا حرام . لأنّ الصلاة خلف الفاسق لا يكون
مقرّباً ، ونيّة التقرب بهذا العمل يكون تشريعاً .
والنوع الثاني هي الحرمة الذاتيّة ، كما إذا أجبره الحاكم على قتل
نفس محترمة ، فلو فعل وقتل تقيّة لكانت حراماً بالحرمة الذاتيّة .
وقد مثّل الشهيد الأوّل(قدس سره)(8) للتقيّة المحرّمة بالتقيّة التي لم تكن في موردها ضرر عاجلاً ولا
آجلاً .
وأورد عليه السيّد الخوئي(9)
بأنّ هذا المورد خارج عن موضوع التقيّة ، فإنّ الملاك في التقيّة بالمعنى
العام فلا تتّصف بالحرمة مع عدم وجوب الضرر .
وأمّا التقيّة المستحبّة فقد مثّل لها الشيخ الأعظم بالمداراة مع
العامّة وجلب مودّتهم والحضور في مجالسهم ، وأورد عليه السيّد الخوئي بنفس
الإيراد السابق ، ثمّ قال: إنّ التقيّة كالعدالة ذو مراتب متعدّدة ،
والاستحباب إنّما يتصوّر بالنسبة إلى الدرجة الشديدة منها ، ثمّ استشهد بقوله
تعالى: (إنَّ أكرَمَكُمْ
عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ) بمعنى اشدّكم
تقيّة .
وفيه أنّ قياس التقيّة بالعدالة غير صحيح جدّاً ، لأنّها:
إمّا أن تتحقّق في الخارج وإمّا أن لا تتحقّق ، بخلاف العدالة ، لأنّها
يمكن أن تتحقّق في الإنسان على نحو متوسّط ، ويمكن أن يحصل على نحو
شديد .
وأمّا ما استشهد به ففساده واضح ، لأنّ التقيّة المذكورة في الآية
هي التقيّة من الله تبارك وتعالى ، ولها مرتب متعدّدة ، بل هي عين
العدالة . وقد قلنا سابقاً بخروج هذا النوع من التقيّة عن محلّ الكلام .
فالقول بوجود المراتب للتقيّة من غير الله يلزم أن تتّقي منه فاتّق .
والمثال الصحيح للتقيّة المستحبّة إنّما هو فيما لو كانت التقيّة في
مورد أرجح من تركها ، كما إذا اُكره على البراءة عن عليّ(عليه السلام) . فالبراءة تقيّةً ـ بناءً على جريان التقيّة في التبرّي ـ أرجح
من تركها وتعريض نفسه على القتل .
ومن هذا البيان يظهر المثال للتقيّة المكروهة فلو كان ترك التقيّة أرجح
من التقيّة ، كما إذا فرضنا أنّ تعريض النفس على الهلاك أرجح من
التبرّي ، لكان التبرّي تقيّةً مكروهاً ، ولو لم يرجّح أحدهما على الآخر
لكانت التقيّة مباحة .
هذا كلّه في جريان الأحكام الخمسة في التقيّة بالمعنى الأعمّ .
وأمّا جريانها في التقيّة بالمعنى الأخص ، فالمستفاد من الروايات أنّ هذا
النوع من التقيّة إمّا واجبة وإمّا مستحبّة ، ولا تنقسم إلى الأقسام الاُخر
من المباحة والمحرّمة والمكروهة .
|