الفصل الرابع أدلّة التقيّة بالمعنى الأخصّ والأعمّ

أمّا الاُولى: فهي الروايات الواردة في المقام ، ونذكرها جميعاً في طيّ المباحث الآتية ، فانتظر .

أمّا الثانية: فمضافاً إلى كونها من الاُمور الضروريّة العقلائيّة ، تدلّ عليها آيات متعدّدة:

1 ـ قوله تعالى: (لاَ يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْء إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ)(10) والتقاة بمعنى التقيّة وأصلها وُقْيَةً ، قال الطبرسي: والمعنى إلاّ أن يكون الكفّار غالبين والمؤمنين مغلوبين ، فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم ولم يُحسن العِشرة معهم ، فعندئذ يجوز له إظهار مودّتهم بلسانه ومداراتهم تقيّةً منه ودفعاً عن نفسه من غير أن يعتقد ، وفي هذه الآية دلالة على أنّ التقيّة جائزة في الدين عند الخوف على النفس ، وقال أصحابنا: إنّها جائزة في الأقوال كلّها عند الضرورة وربّما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح(11).

وقال شهاب الدين الآلوسي في تفسيره: «وفي الآية دليل على مشروعيّة التقيّة»(12).

وقال القرطبي(13): قال ابن عبّاس: هو أن يتكلّم بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان ولا يقتل ولا يأتي مأثماً . وقال الحسن: التقيّة جائزة للإنسان إلى يوم القيامة . وقال الفخر الرازي في تفسيره: «إنّ هذا القول أولى ، لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان»(14) فالآية تدلّ على مشروعيّة التقيّة وجواز استعمالها في الدين .

2 ـ قوله تعالى: (من كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ من أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِْيمَانِ وَلَكِنْ من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(15) واختلف المفسّرون في أنّ الآية فيمن نزلت . والأشهر الأصحّ بحسب الروايات الواردة أنّها نزلت في عمّار وأصحابه ، حيث أخذهم الكفّار وأكرهوهم على كلمة الكفر فلم يعطهم أبو عمّار واُمّه فقتلا ، وأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه فأخبر سبحانه وتعالى بذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وكيف كان فالآية دالّة على مشروعيّة التقيّة بإظهار كلمة الكفر عند الضرورة . والآية وإن كانت في مورد الإكراه ، إلاّ أنّه سيأتي عدم الفرق موضوعاً بين التقيّة والإكراه وأنّ من مصاديقها التقيّة الإكراهيّة بمعنى التقيّة التي يكون منشأها الإكراه .

3 ـ قوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ)(16) فالآية دالّة على جواز كتمان الإيمان عند الخوف على النفس ، ولا ريب أنّ كتمان الإيمان لا يتحقّق عادة إلاّ بإظهار خلافه والإشتراك مع الكفّار في بعض أعمالهم وترك وظائف المؤمنين ، فينطبق على عمله عنوان التقيّة .

فهذه الآيات تدلّ على مشروعيّة التقيّة بالمعنى الأعمّ عند الخوف من الكفّار وغيرهم .

الصفحة الرئيسية   
السيرة  
المؤلفات  
الدروس  
لقاءات صحفية  
محفظة الصور  
الذکريات  
اتصلوا بنا  
المواقع التابعة