الفصل التاسع في جريان التقيّة في الموضوعات وعدمه

لا إشكال في جريان التقيّة في الأحكام من حيث الحكم التكليفي والوضعي كالمسح على الخفّين والتكتّف ، وكذا لا إشكال في جريانها من حيث الحكم التكليفي في الموضوعات ، وإنّما الإشكال في جريانها في الموضوعات من حيث الصحّة والإجزاء ، فمثلاً الوقوف بعرفات في يوم الثامن لأجل ثبوت الهلال عندهم هل يكون موجباً لصحّة الحجّ وعدم لزوم إعادته أم لا؟

ذهب الشيخ الأنصاري(90) إلى عدم جريان التقيّة في الموضوع المحض الذي لا يرتبط بالحكم والمذهب ، مستدلاًّ بأنّ أدلّة التقيّة لو كانت مطلقة لكانت منصرفة إلى ما يرتبط بالمذهب ، والإختلاف في الموضوع خارج عن هذا ، فمثلاً إنّ هذا اليوم هو اليوم الثامن أو التاسع لا دخل له بالمذهب ، وإنّما هو إختلاف في موضوع صرف; وقد وافق الشيخ في هذا القول المحقّق البجنوردي(91) . وذهب صاحب الجواهر(92) إلى نفي البعد عن إلحاق الموضوع بالحكم واستدلّ على ذلك بأمرين:

الأمر الأوّل: أنّ القول بالإعادة وعدم الصحّة مستلزم للحرج ، مع عدم الحكم الحرجي في الدين .

الأمر الثاني: في خصوص الوقوف بعرفات يوم الثامن لو قلنا بعدم الصحّة ووجوب الإعادة في السنة الآتية لأمكن الإختلاف في السنة الآتية أيضاً ، وهكذا في السنين الاُخر ، وإحتمال وجود هذا الإختلاف كاف في المنع عن الإعادة .

ويرد على الأوّل أنّ الحجّ أمر حرجي في نفسه ، وقاعدة لا حرج لا تتأتّى في المورد الذي يكون تكليفاً حرجيّاً في نفسه .

وعلى الثاني بأنّ مجرّد هذا الإحتمال لا يكفي في رفع التكليف اليقيني وبراءة الذمّة عنه ، هذا .

ولكنّ التحقيق صحّة ما ذهب إليه وفاقاً للإمام الخميني وجمع من المحقّقين ، وعلى ذلك دليلان:

الدليل الأوّل: العمومات والإطلاقات الواردة في أدلّة التقيّة ، فإنّها شاملة للحكم والموضوع معاً ، وما ذكره الشيخ الأعظم من إنصراف الإطلاقات إلى ما يرتبط بالمذهب غير تامّ; لأنّ الظاهر من أدلّة التقيّة أنّ استعمالها لازم فيما يرتبط بالدين وما ينسب إلى الشارع من دون فرق بين الحكم والموضوع ، مضافاً إلى أنّ تعبير بعض الروايات الواردة كقوله(عليه السلام): إيّاكم أن تعملوا عملاً نعيّر به(93) ظاهرة في جريان التقيّة في الموضوع أيضاً ، فإنّ المخالفة في الموضوع موجب لوهن المذهب وتعبير الأئمّة(عليهم السلام) .

ويستفاد من الإطلاقات ـ مضافاً إلى جريان التقيّة في الموضوعات ـ عدم الفرق بين صورة الشك وصورة العلم بالخلاف; فلو علم شخص بأنّ هذا اليوم هو الثامن وأعتقد العامّة بأنّه يوم التاسع فوقف معهم بعرفات لكان حجة صحيحاً .

الدليل الثاني: السيرة القطعيّة ، والمقصود أنّه بعد زمن أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى عصر الغيبة يحجّون الأئمّة والشيعة مع سائر الناس ، وكان أمر الحجّ بيد حكّام العامّة ومن الواضح تحقّق الإختلاف في هذا الزمن الذي أكثر من مائتي عام في أوّل الشهر وطبعاً في اليوم التاسع ، ومع ذلك لم يرد من الأئمّة النهي عن إتباعهم والوقوف معهم ، ولم يسمع أنّهم وقفوا خلاف وقوفهم ، ولو كان لبان ، لكثرة الإبتلاء .

وهذا يدلّ على الصحّة والإجزاء; وهذا الدليل شموله أقلّ من الدليل الأوّل لحجّيّته في الاُمور التي كانت كثيرة الإبتلاء وكانت بمرئى ومنظر من الأئمّة(عليهم السلام)بينما أنّ الدليل الأوّل شامل لها وللاُمور التي لم تكن كثيرة الإبتلاء ، وقد تأمّل المحقّق البجنوردي في ثبوت هذه السيرة ، وفي تأمّله تأمّل .

وهنا رواية قد يستدلّ بها على الإجزاء في الموضوعات ، وهي رواية رواها الشيخ بإسناده عن أبي الجارود زياد بن منذر قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام): إنّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى ، فلمّا دخلت على أبي جعفر وكان بعض أصحابنا يضحي فقال: الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس والصوم يوم يصوم الناس(94) .

وجه الاستدلال أنّ ظاهرها أنّ يوماً يضحي الناس فهو الأضحى حقيقةً ، ويوماً يفطر الناس فهو يوم الفطر حقيقةً ، ومعنى هذا جريان التقيّة في الموضوع والإجزاء في العمل على وفقهم ، ومع إلغاء الخصوصيّة نتعدى إلى كلّ موضوع ، ولكن الرواية وإن كانت ظاهرة في هذا المعنى; إلاّ أنّ سنده ضعيف بأبي جارود الذي ينسب إليه الجاروديّة ، وقيل في حقّه: إنّه كان كذّاباً كافراً .

فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه جريان التقيّة والإجزاء في الموضوعات على نحو جريانها في الأحكام من دون فرق بين الشكّ والعلم بالخلاف .

تنبيه:

قد وقع الخلاف في أنّ حكم حاكم أهل السنّة هل هو نافذ في حقّنا كحكم حاكمنا أم لا ، على ثلاثة أقوال; ذهب جمع إلى النفوذ مطلقاً ، من دون فرق بين الشكّ والعلم بالخلاف . وذهب السيّد الإمام الخميني إلى عدم النفوذ مطلقاً ، وذهب بعض كالمحقّق البجنوردي والسيّد الخوئي إلى النفوذ في صورة الشكّ ، وهذا هو الحقّ .

وليعلم أنّ هذا بحث آخر لا يرتبط بالبحث عن جريان التقيّة في الموضوع ، والعجب وقوع الخلط بينهما في كثير من الكلمات . فإنّ النفوذ مرتبط بالحكم والمذهب ولا يرتبط بالموضوع ، فتدبّر .

والإنصاف أنّ أدلّة التقيّة شاملة لهذا في صورة الشكّ فقط ، فإنّ الجري على طبق مذهبهم يقتضي نفوذ حكم حاكمهم بالنسبة إلينا كما هو نافذ بالنسبة إليهم ، وبعبارة اُخرى من أحكام مذهبهم نفوذ حكم الحاكم ، فتجري التقيّة فيه ، وأمّا التقييد بصورة الشكّ فلأجل عدم نفوذ حكم الحاكم في مذهبهم في صورة العلم بالخلاف ولا أقلّ من عدم ثبوت هذا في مذهبهم .

الصفحة الرئيسية   
السيرة  
المؤلفات  
الدروس  
لقاءات صحفية  
محفظة الصور  
الذکريات  
اتصلوا بنا  
المواقع التابعة