الفصل العاشر في إعتبار عدم المندوحة وعدمهكلمة المندوحة مأخوذة من «الندح» بفتح الأوّل أو ضمّه بمعنى
الوسعة ، وقد اختلفوا في أنّ التقيّة هل يكون مشروعيّتها مقيّدة بعدم إمكان
التخلّف عن العمل تقيّة ، فلو تمكّن من أن يأتي بالفعل على النحو الواقعي لما
يجوز التقيّة ، أم لا يكون مقيّدة ، وقبل ذكر الأقوال وبيان الأدلّة
يلزم ذكر اُمور لإيضاح محلّ الخلاف:
الأمر الأوّل: أنّه لا خلاف في شرطيّة عدم المندوحة فيما إذا استفيد الترخيص والإذن
الشرعي الذي هو الملاك في الإجزاء من إنضمام أدلّة التقيّة إلى الأدلّة الأوّليّة
وقلنا بشمول الأدلّة الأوّليّة لحال التقيّة ، وإنّما الخلاف فيما إذا
استفدنا الإذن من نفس أدلّة التقيّة سواء كان إذناً خاصّاً كالإذن في الصلاة أو في
المسح على الخفّين ، أو إذناً عامّاً .
الأمر الثاني: أنّ المندوحة على نوعين ، عرضيّة وطوليّة ، والمراد من
الأوّل تمكّن المكلّف من إتيان العمل الواقعي في نفس الزمان الذي يعمل على طبق
التقيّة ، والمراد من الثاني أنّ الإتيان بالمأمور به الواقعي في نفس زمان
إتيان العلم على طبق التقيّة غير ممكن ، لكنّه يمكن له أن يفعل في جزء آخر من
أجزاء الزمان .
والظاهر أنّ الخلاف إنّما وقع في المندوحة العرضيّة . وأمّا
الطوليّة فالمتسالم عليه بين الفقهاء عدم إعتبارها ، فلو تمكّن المكلّف من
إتيان الفعل على النحو الصحيح الواقعي في جزء آخر من أجزاء ذلك الزمان فلا يجب
عليه الإعادة .
الأمر الثالث: أنّ المندوحة العرضيّة يتصوّر على نحوين:
الأوّل: أنّ يرتفع موضوع التقيّة رأساً ، بمعنى أنّ المكلّف
قادر على رفع الموضوع وإنعدامه رأساً ، كما إذا أجبره الحاكم على ترك الواجب
وهو قادر على إتيانه ، وكما إذا كان قادراً على التكتّف الظاهري كأن يقرّب
إحدى اليدين إلى الآخر من دون إتّصال أحدهما بالآخر ، وبعبارة اُخرى كان
متمكّناً حال الإشتغال بإيجاد الواجب موافقاً لهم من تلبيس الأمر عليهم وإيهامهم
أنّه يفعل بمثل فعلهم وإن كان لم يفعل كفعلهم بنحو لا يكون منافياً للتقيّة .
فهذا النحو خارج عن النزاع وأتّفقوا على إعتبارها وقال بعض: وكأنّه لا خلاف
فيه . ومع وجود هذه المندوحة لا يكون التقيّة مشروعة ، لعدم صدق عنوان
التقيّة عليه; وبعبارة اُخرى إنّ عدم المندوحة بهذا المعنى من مقوّمات عنوان التقيّة
عرفاً .
الثاني: أنّ يتبدّل موضوع التقيّة ولا ينعدم ، كما إذا كان
متمكّناً حال الصلاة معهم من أن يقف في صفّ أو مكان يتمكّن فيه من السجود على ما
يصحّ السجود عليه ، فهذا النحو محلّ النزاع والخلاف . نعم يستفاد من
كلام السيّد الإمام الخميني(95)
أنّ اعتبار عدم المندوحة في النحو الأوّل مسلّم إذا استفدنا إعتباره من عمومات
أخبار التقيّة ومطلقاتها ، أمّا بالنظر إلى الأخبار الخاصّة الواردة في باب
الوضوء والصلاة معهم وغيرهما فالمسألة محلّ نظر ، للسكوت عن إعمال الحيلة
فيها مع كون المقام محلّ بيانه ، فلو كان عدمها معتبراً في الصحّة لم يجز
إهماله; ثمّ ذكر بعض الأخبار الخاصّة الواردة في الوضوء .
وقال في آخر كلامه: نعم هنا أخبار في باب القراءة والجماعة ظاهرة
في لزوم إعمال الحيلة كموثّقة سماعة(96)
وصحيحة عليّ بن يقطين(97)
وحملها على الاستحباب لقوّة ظهور المطلقات في عدم لزوم إعمال الحيلة .
الأمر الرابع: الظاهر أنّ جريان الخلاف منحصر بالتقيّة الخوفيّة أو الإكراهيّة
ولا يجري في المداراتيّة ، وذلك لأنّها إنّما شُرّعت لجلب قلوبهم
وتحقّق الوحدة بين المسلمين ، وهذا لا يناسب الاشتراط بعدم المندوحة ،
فإنّ الاشتراط به مستلزم لنقض الغرض ويلزم من وجوده عدمه ، والشاهد على
الإختصاص الأقوال الموجودة في البحث ، فإنّها كلّها تختصّ بالتقيّة
الخوفيّة .
وبعد هذه الاُمور الأربعة نقول: إنّ في المسألة إحتمالات بل أقوال سبعة:
الأوّل: إعتبار عدم المندوحة مطلقاً ، كما ذهب إليه صاحب المدارك .
الثاني: عدم
إعتباره مطلقاً ، ذهب إليه الشهيدان والمحقّق الثاني .
الثالث: التفصيل بين ما كان مأذوناً فيه بخصوصه فلا يعتبر ، كغسل الرجلين في
الوضوء ، وبين مالم يرد فيه نصّ خاصّ ، وقد نسب هذا القول إلى المحقّق الثاني .
الرابع: التفصيل بين التقيّة من المخالفين فلا يعتبر مطلقاً أو في الجملة ، ومن غيرهم
فيعتبر ، ذهب إليه الإمام الخميني(98) .
الخامس: التفصيل بين ما إذا كان الإذن الوارد إذناً لإمتثال التقيّة فيعتبر ، وبين ما
إذا كان إذناً لإمتثال أوامر الأوّليّة المتعلّقة بالعبادات فلا يعتبر ، وهذا
التفصيل هو الذي بيّنه الشيخ الأنصاري بعنوان التصحيح لكلام المحقّق الثاني
وقال: لو كان مراده من تفصيله هذا التفصيل فهو صحيح ، لكن يحتاج إلى
قيد وهو التقييد بغير الأجزاء والشرائط الإختياريّة ، لأنّ المسألة بناءً على
التفصيل تصير من مصاديق ذوي الأعذار; والأجزاء والشرائط الإختياريّتان خارجتان عن
هذه المسألة .
السادس:
إعتبار المندوحة في المندوحة العرضيّة مع تبديل موضوع التقيّة ، وعدم إعتباره
في المندوحة العرضيّة مع إنعدام الموضوع ، وقلنا في الأمر الثالث: إنّ
إعتبار المندوحة العرضيّة مع إنعدام موضوع التقيّة أمر مسلّم بينهم ، وعلى
هذا لا يكون كلام الشيخ تفصيلاً في المسألة ، بل هو ممّن ذهب إلى
إعتبار عدم المندوحة .
السابع: نفس التفصيل الذي ذهب إليه السيّد الإمام ، لكن مع تفصيل في التقيّة من
العامّة ، فإنّها قد تكون في ترك الواجب أو في الإتيان بالحرام ، فيعتبر
عدم المندوحة ، واُخرى في ترك جزء أو شرط أو الإتيان بالمانع فلا
يعتبر ، وإن شئت قلت: التقيّة من العامّة قد تكون في غير العبادة وقد
تكون في العبادة; وهو الذي ذهب إليه السيّد الخوئي(99) .
والصحيح عدم إمكان المساعدة للتفصيل الذي ذهب إليه المحقّق
الثاني ، لعدم الفرق بين الإذن الخاصّ والعامّ من جهة أن الإذن في العمل الذي
يتّقي به إنّ كان أمراً بالإمتثال بتلك الصورة تقيّةً فيكون فرداً إضطرارايّاً
للطبيعة المأمور بها ، فيكون مجزياً حتّى في الإذن العام ، وإن لم يكن
أمراً بالإمتثال بل شرعت التقيّة لأجل التحفّظ والتخلّص عن شرّهم فالإذن الخاصّ
أيضاً لا يفي بالإجزاء .
وبعد هذا نقول: إنّه بعد عدم صحّة هذا التفصيل وخروج القول
الخامس عن محلّ النزاع ورجوع قول الشيخ الأنصاري إلى القول الأوّل على ما بيّناه
في تحرير محلّ النزاع ، وبعد عدم وجود الخلاف في إعتبار عدم المندوحة في
التقيّة من غير العامّة ، لعدم صدق الضرورة والإضطرار في صورة المندوحة وكذلك
عدم النزاع في التقيّة من العامّة إذا كانت بصورة ترك الواجب أو إتيان
الحرام ، إنحصر البحث في إعتبار عدم المندوحة في التقيّة من العامّة في دائرة
العبادات .
والتحقيق إعتبار عدم المندوحة فيما إذا كانت العبادة تقيّةً
خوفيّة ، وعدم إعتباره فيما إذا كانت على نحو المداراة; أمّا الأوّل فلعدم
صدق الخوف والضرر في صورة وجود المندوحة ، وأمّا الثاني فلإطلاق الروايات
الواردة في العبادة معهم والحضور في جماعاتهم وأنّ الصلاة معهم كالصلاة مع رسول
الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) ولا شكّ أنّ هذه التعبيرات
والترغيبات ينافي الاشتراط بصورة عدم المندوحة ، لأنّه مستلزم لنقص الغرض
وممّا يلزم من وجوده عدمه; فتحصّل من ذلك وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: إطلاق الروايات ، فإنّها غير مقيّدة بعدم المندوحة .
الوجه الثاني: وجود الحثّ والترغيب فيها والتعبيرات الواردة فيها ، وهي مناف
للإشتراط .
الوجه الثالث: أنّ بعض الروايات في مقام إعطاء الضابطة الكلّية ، كرواية مسعدة
بن صدقة المتقدّمة أعني قوله(عليه السلام):
فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدّي إلى الفساد في الدين
فإنّه جائز; فلو كان في البين قيد لوجب ذكره .
نعم هنا أخبار ربّما يعارض ظاهرها مع هذه المطلقات نشير إلى الأهمّ
منها:
1 ـ رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي عن إبراهيم بن شيبة
قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني(عليه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من تولّى أمير المؤمنين وهو يمسح على
الخفّين ، فكتب(عليه السلام): لا
تصلّ خلف من يمسح على الخفّين ، فإن جامعك وإيّاهم موضع لا تجد بدّاً من
الصلاة معهم فأذّن لنفسك وأقم فإنّ سبقك إلى القراءة فسبّح(100) .
دلّت الرواية على أنّ الصلاة مع من يمسح على الخفّين جائزة إذا لم يجد
بُدّاً من ذلك ، وفي صورة المندوحة يوجد بُدٌّ .
ويرد عليه أوّلاً: أنّ الرواية على ما ذكره السيّد الخوئي ضعيفة
السند ، لأنّ إبراهيم بن شيبة لم يوثّق ، وما في كلام المحقّق الهمداني
من إسناد الرواية إلى إبراهيم بن هاشم من سهو القلم .
وثانياً: أنّ مورد الرواية هو التقيّة في المسح على
الخّفين ، وقد دلّت الروايات على عدم جريان التقيّة فيه وفصّلنا الكلام فيه
سابقاً; فبما أنّ صلاة الرجل كانت محكومة بالبطلان في مورد الرواية فلذا منع
الإمام(عليه
السلام) عن الصلاة خلفه ، فهي خارجة عن محلّ
الكلام .
وثالثاً: أنّ الرواية لو دلّت على الإعتبار لدلّت على اعتبار عدم
المندوحة الطوليّة أيضاً ، مع أنّ عدم إعتباره إجماعي ، فيلزم تخصيص
الرواية بالإجماع ، بينما إنّ لسان الحديث يأبى عن التخصيص .
2 ـ ما عن دعائم الإسلام بسنده عن أبي جعفر(عليه السلام): لا تصلّوا خلف ناصب ولا كرامة ، إلاّ أن تخافوا على
أنفسكم أن تشهروا ويشار إليكم فصلّوا في بيوتكم ثمّ صلّوا معهم ، وأجعلوا
صلاتكم معهم تطوّعاً(101) .
ودلالة الرواية على جواز الصلاة في صورة عدم المندوحة واضحة ، لكن
يرد عليه:
أوّلاً: أنّ روايات دعائم الإسلام غير قابلة الإعتماد .
ثانياً: أنّها قاصرة الدلالة على المدّعى ، لإختصاصها
بالناصب ، وهو خارج عن محلّ الكلام ، لأنّه محكوم بالكفر .
ثمّ لو أغمضنا عن الإيرادات الواردة على هذه الروايات لوجب الجمع
بينهما وبين المطلقات ، فذهب المحقّق البجنوردي(102)
إلى أنّ مقتضى الجمع عرفاً بينهما هو حمل هذه الأخبار على إمكان التخلّص فيى نفس
وقت التقيّة بدون التأجيل وتأخير إمتثال الواجب إلى زمان إرتفاع التقيّة أو بدون
إنتقاله إلى مكان آخر للفرار عن التقيّة ، بل يمكن في نفس المكان والزمان أن
يأتي بالواقع الأوّلي ، ففي مثل هذا المورد لا يجوز أن يتّقي بإتيان الواجب
موافقاً لهم .
ولا يخفى عدم صحّة هذا الجمع ، فإنّ الحمل على ذاك المورد بمعنى
الحمل على المندوحة العرضيّة ، وقلنا: إنّ هذا النحو من المندوحة
العرضيّة الذي يرجع إلى تبديل موضوع التقيّة ، محلّ الخلاف .
والصحيح أن يقال: إنّ مورد كثير من هذه الأخبار هي التقيّة
الخوفيّة وقد مرّ إعتبار عدم المندوحة فيها ، وبعضها كصحيحة عليّ بن يقطين
قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الرجل
يصلّي خلف من لا يقتدى بصلاته والإمام يجهر بالقراءة؟ قال: أقرأ لنفسك وإن
لم تسمع نفسك فلا بأس(103)
فإنّه يدلّ على إتيان القراءة بمقدار الممكن ويكون عامّاً شاملاً للتقيّة الخوفيّة
والمداراتيّة .
فيمكن أن يقال: إنّه من موارد إرتفاع موضوع التقيّة خوفاً أو
مداراة ، لأنّ القراءة على هذا النحو لا تكون مخلاًّ بالمداراة ، فيخرج
عن محلّ النزاع كما مرّ في الأمر الثالث .
فما في كلمات الإمام الخميني من الحمل على الاستحباب لا يمكن المساعدة
عليه ، لعدم بقاء الموضوع في هذا الفرض ، بمعنى أنّ التقيّة في هذا
الفرض ليس بمشروع لا وجوباً ولا استحباباً .
|