|
||||||||||||||||
صفحه 61 الاستدلال بالحديث تامّ ; لوجود الملازمة العرفيّة بين رفع الجزئيّة مثلاً، وبين كون المأمور به هو الفعل الفاقد للجزء . وكذا الشرط; اللّهمّ إلاّ أن يقال : إنّ هذا ليس تمسّكاً بالحديث فقط ، بل تمسّك بالحديث والملازمة معاً ، فتدبّر . ومنها : ما استدلّ به الشيخ الأنصاري (قدس سره) (1) واستفاد منه الإذن ; وهي ما رواه إسماعيل الجعفي، ومعمر بن يحيى بن سالم، ومحمّد بن مسلم، وزرارة ـ وهي رواية صحيحة معروفة بصحيحة الفضلاء ـ قالوا : سمعنا أبا جعفر (عليه السلام) يقول : التقيّة في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له(2) . وتقريب الاستدلال يتوقّف على بيان اُمور : الاُوّل : أنّ لفظة «كلّ» من أداة العموم ، والرواية دلّت على أنّ التقيّة جارية في كلّ شيء يضطرّ إليه الإنسان ، وهذا عامّ شامل للعبادات والمعاملات والأحكام والموضوعات . الثاني : أنّه يكفي في صدق الإضطرار كون المكلّف مضطرّاً إلى ترك الجزء، أو الشرط، أو إتيان المانع وإن لم يكن مضطرّاً إلى أصل الصلاة مثلاً في الوقت . الثالث : أنّ الرواية دلّت على أنّ ذاك الشيء المحرّم يكون محلّلاً في حقّ المتّقي . الرابع : أنّ الحلّيّة أعمّ من التكليفيّة والوضعيّة، كما في قوله ـ تعالى ـ : ( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (3) الذي هو ظاهر في خصوص الوضع ، أو الأعمّ من الوضع والتكليف ; فإنّ الحلال لا يكون في العرف واللغة والقرآن والسُنّة مختصّاً بالتكليف; فالمحرّم عبارة عن الممنوع ، والمحلّل عبارة عن الجواز . قال الشيخ الأنصاري : إنّ المراد بالإحلال رفع المنع الثابت في كلّ ممنوع (1) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 89 . (2) تقدّم في ص33. (3) سورة البقرة 2: 275. صفحه 62 بحسب حاله من التحريم النفسي، كشرب الخمر ، والتحريم الغيري، كالتكفير في الصلاة (1). ومقصوده (قدس سره) أنّ الحديث لم يكن مختصّاً بما يكون المضطرّ إليه مستقلاًّ فيالمنع الغيري ، وترك الجزء أو الشرط حرام غيريّ ، ففي صورة التقيّة يكون جائزاً وحلالاً . وبعد هذه الاُمور الأربعة نستفيد منها أنّ التكتّف في الصلاة ، وترك السورة ، ولبس الحرير ، والإفطار عند سقوط الشمس ، والوقوف بعرفات والمشعر قبل وقته حلال في صورة الاضطرار; وواضح أنّ الحلّيّة بمعنى الإذن والترخيص في الإتيان . قال السيّد المحقّق الإمام الخميني : ولا ريب في استفادة الوضع منها(2)، وقد يعبّر عن الوضع بالتكليف الغيري قبال التكليف النفسي ; فإنّ التكفير أو ترك البسملة من المحرّمات الغيريّة ; لاشتراط الصلاة بعدمهما وإن كان كلّ واحد منهما حلالاً مع قطع النظر عن الصلاة . هذا ، ولكن خالف السيّد المحقّق الخوئي مع الشيخ الأنصاري، وذهب إلى عدم صحّة التمسّك بهذا الحديث، وقال ـ مع توضيح منّا ـ : إنّ الظاهر من الصحيحة أنّ كلّ عمل كان محرّماً بأيّ عنوان من العناوين المفروضة تزول عنه حرمته بعنوان التقيّة ، فيصير العمل المعنون بذلك العنوان متّصفاً بالحلّيّة لأجلها ، فمثلاً كانالتكتّف حراماً بعنوان كونه مبطلاً للصلاة، بناءً على كون إبطال الصلاة محرّماً في نفسه ، وإلاّ فمع قطع النظر عن هذا العنوان لا يكون حراماً . وفي فرض التقيّة تنقلب الحرمة إلى الحلّيّة من دون تغيّر في الموضوع ، فالموضوع ـ أي التكتّف المبطل ـ يكون حلالاً في فرض التقيّة ، وبما أنّ الحكم (1) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 89 . (2) الرسائل، رسالة في التقيّة 2 : 190 . صفحه 63 لامعنى لأن يتصرّف في الموضوع، أو في قيوده، فلا يتغيّر الموضوع في فرض التقيّة ، وبعبارة اُخرى: كان الإبطال في فرض التقيّة حلالاً(1)،(2) . وفيه : أنّ الظاهر أنّ الإبطال علّة لتعلّق الحرمة بالصلاة مع التكتّف ، ومع زوال الحرمة نستكشف زوال علّتها وهي الإبطال ; لأنّ العلّة الشرعيّة تنعدم بزوال معلوله الشرعي . وبعبارة اُخرى : في العلل التكوينيّة يمكن زوال المعلول الشرعي من دون العلّة التكوينيّة; فإنّ الخمر حرام لأجل الإسكار ، وفي فرض الاضطرار يصير حلالاً من دون زوال علّته; أمّا في العلّة والمعلول الشرعيّين يكون انتفاء أحدهما كاشفاً عن انتفاء الآخر ، وعلى هذا لا يمكن زوال الحرمة من دون زوال الإبطال ; فإنّ العرف يفهم أنّ عدم الحرمة كاشفٌ عن عدم وجود الإبطال ، فتدبّر . ومنها : رواية أبي الصباح ـ يعني إبراهيم بن نعيم، المرويّة في كتاب الأيمان ـ قال : والله لقد قال لي جعفر بن محمّد (عليهما السلام) : إنّ الله علّم نبيّه التنزيل والتأويل ، فعلّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) ، قال : وعلّمنا والله ، ثمّ قال : ما صنعتم من شيء، أو حلفتم عليه من يمين في تقيّة فأنتم منه في سعة(3) . ذهب الشيخ الأنصاري(4) والسيّد الخميني(5) إلى أنّ الرواية تدلّ على أنّ كلّ مايفعله المكلّف تقيّة ـ سواء كان زيادة في المأمور به، أو نقيصة فيه ـ فهو في سعة ، ومعنى السعة والوسعة: أنّه لا يترتّب عليه الإعادة والقضاء . فهذه الرواية كما قال (1) الظاهر أنّ هذا الإيراد مصطاد من كلمات الشيخ الأنصاري، المؤلّف. (2) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 239 ـ 240. (3) الكافي 7: 442 ح15، تهذيب الأحكام 8: 286 ح1052، وعنهما وسائل الشيعة 23: 224، كتاب الأيمان ب12 ح2. (4) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 93. (5) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 192. صفحه 64 الشيخ الأنصاري نظير قوله (عليه السلام) : «الناس في سعة مالا يعلموا»(1) ،(2). فالرواية وإن كانت مردّدة بين الصحيحة وغيرها من جهة وجود سيف بن عميرة; للاختلاف في أنّه واقفيّ أم لا ، إلاّ أنّ دلالتها على المدّعى تامّة . ولكن خالفهما السيّد الخوئي وقال : إنّ الرواية غير دالّة على الإجزاء، والقياس والتنظير باطل أيضاً; أمّا عدم دلالتها; فلأنّ كلمة «السعة» في مقابل «الضيق»، فكلّ ما يفعل الإنسان في غير التقيّة لو كان فيه ضيق، لترفعه التقيّة; مثلاً أنّ في شرب الخمر في غير حال التقيّة ضيقاً، من جهة لزوم إجراء الحدّ عليه والحكم بفسقه . أمّا مع التقيّة فيرتفع الضيق . وهذا غير جار في ما نحن فيه ; لأنّه لا يترتّب على نفس ترك الجزء، أو الشرط، أو إتيان المانع ضيق ; لأنّ بطلان العمل ليس من الآثار المجعولة للترك ، بل البطلان كالصحّة من الآثار الواقعيّة لا تناله يد الجعل ، فليس البطلان حكماً شرعيّاً، بل العقل يحكم بأنّ مخالفة العمل للمأمور به مساوق للبطلان . وأمّا مسألة الإعادة، فلا تترتّب على نفس ترك الجزء ، بل الإعادة من آثار عدم إتيان المأمور به ، وبعبارة اُخرى : لو كان موضوع الإعادة إتيان العمل فاسداً وناقصاً، لصحّ أن يقال : إنّها من آثار ترك الجزء أو الشرط ، مع أنّ موضوعها عدم إتيان المأمور به . أمّا عدم صحّة القياس; فلأنّ المشكوك فيه في ذلك الحديث إنّما هو نفس الجزئيّة وعدليها ، ومن البديهي أنّ في جزئيّة المشكوك فيه، أو شرطيّته، أو مانعيّته ضيقاً واضحاً على المكلّف ; لأنّه تقييد لإطلاق المأمور به، وموجب للكلفة (1) عوالي اللئالي 1: 424 ح109، وعنه مستدرك الوسائل 18: 20، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود ب12 ح21886. (2) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 93. صفحه 65 والضيق ، فيكون في رفعها عند الشكّ توسعة له ، وأين هذا وما نحن فيه; لعدم ترتّب ضيق من ناحية ترك الجزء أو الشرط (1). ولا يخفى ما فيه أوّلاً : أنّ إيراده مبنيّ على أن يستفاد من الرواية ترتّب الضيق على نفس العمل من دون واسطة ، مع أنّه محلّ الإنكار ; فإنّ الرواية دلّت على أنّ الضيق الذي ترتّب على العمل ولو مع الواسطة ، ترتفع عند التقيّة ; فإنّ الإعادةوإن لم تكن من آثار نفس ترك الجزء أو الشرط ، لكن ترك الجزء سبب لعدم إتيان المأمور به، والإعادة من آثاره ، مع أنّ قوله (عليه السلام) : «فأنتم منه في سعة» لا نظر فيه إلى مادّة كلماته ، بل هو كناية عن عدم ترتّب شيء على التقيّة . وثانياً : الصحيح أنّ موضوع الإعادة لا يكون عدم إتيان المأمور به ; فإنّه أمر عدميّ لا يصلح لأن يكون موضوعاً لحكم شرعيّ وجوديّ; بل التحقيق أنّ موضوع الإعادة هو إتيان العمل فاسداً وناقصاً ; فإنّ كلمة الإعادة لا يصدق فيما إذا لم يفعل العمل أصلاً ، بل يصدق فيما إذا فعله ناقصاً، ويجب أن يعيد ثانياً ، وبهذا الجواب يظهر صحّة التنظير ، فتدبّر . ومنها : رواية أبي عمر الأعجمي قال : قال لي أبو عبد الله : يا أبا عمر إنّ تسعة أعشار الدين في التقيّة ، ولا دين لمن لا تقيّة له ، والتقيّة في كلّ شيء، إلاّ في النبيذ والمسح على الخفّين(2) . تقريب الاستدلال بها يتّضح بعد اُمور : الأوّل : أنّ المراد من التقيّة هو العمل الموافق لهم، المخالف للحقّ; بمعنى ما يتّقى (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإيام الخوئي) 5: 243 ـ 245. (2) الكافي 2: 217 ح2، المحاسن 1: 404 ح913، الخصال: 22 ح79، وعنها وسائل الشيعة 16: 204، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح3 وص215 ب25 ح3. وفي بحار الأنوار 66: 486 ح14، وج75: 399 ح36، وج79: 172 ح15، وج80 : 268 ح22 عن المحاسن. صفحه 66 به ، لا الاتّقاء، كما هو ظاهر اللفظ . الثاني : معنى كون التقيّة ديناً أو من الدين: أنّه حكم واقعيّ ثانويّ ، ونتيجة هذين الأمرين أنّ الفعل المتّقى به من الدين ، وواضح أنّ الفعل الذي يكون من الدين لابدّ وأن يكون صحيحاً ; فإنّ الباطل لا يكون من الدين . الثالث : أنّ لفظة «كلّ» من أدوات العموم ، وبقرينة استثناء مسح الخفّين الذي هو ممنوع بالمنع الغيري، تكون الرواية دالّة على جريان التقيّة في كلّ ممنوع ، سواء كان استقلاليّاً ، أو غيريّاً . وبعد هذه الاُمور الثلاثة نستفيد أنّ ترك الجزء، أو الشرط، أو إتيان المانع في فرض التقيّة يكون من الدين ، وكلّ ما كان من الدين فهو صحيح ، فلا يحتاج العمل إلى الإعادة أو القضاء ، وهذا معنى الإجزاء . وهذا هو الاستدلال بمجموع الرواية . ويمكن الاستدلال بنفس التعبير الوارد في صدر الرواية: «أنّ تسعة أعشار الدين في التقيّة» ما معناه؟ وهل يمكن الالتزام بأنّ هذا المقدار ملائم لعدم الإجزاء؟ كلاّ . وعلى أيّ حال، فهذه الرواية ونظائرها من حيث التعبير ـ كقوله (عليه السلام) : «التقيّة ديني ودين آبائي»(1)ـ هي العمدة في روايات الإجزاء، كما صرّح به المحقّق البجنوردي(2). وهناك تفسير للمحقّق النائيني، فقال : إنّ قوله (عليه السلام) : «التقيّة ديني» بمعنى أنّ ما يرونهم ديناً فهو ديني في حال التقيّة(3)، وهذا تفسير لطيف جدّاً . وقال المحقّق الخوئي : إنّ الرواية ـ مضافاً إلى كونها ضعيفة السند; لأجل أنّ (1) تقدّم في ص57. (2) القواعد الفقهيّة 5: 55 ـ 60. (3) كتاب الصلاة، تقريرات بحث النائيني(قدس سره) ، للشيخ محمّد تقي الآملي (رحمه الله) 2 : 299 . صفحه 67 أبا عمر الأعجمي ممّا لم يتعرّضوا لحاله ، فهو مجهول الحال من جميع الجهات، حتّىمن حيث التشيّع وعدمه، فضلاً عن الوثاقة وعدمها ـ أجنبيّة عمّا نحن بصدده، وقال : إنّ ما نحن بصدده هو البحث عن ارتفاع الأحكام المتعلّقة بالفعل المتّقى به، كارتفاع الجزئيّة والمانعيّة في فرض التقيّة ، مع أنّ الرواية ناظرة إلى أصل مشروعيّة التقيّة ، وقرينة ذلك استثناء شرب النبيذ ، فبناءً على كون الرواية بصدد بيان الأحكام فما هو الوجه في عدم ارتفاع الحرمة في شرب النبيذ تقيّةً ؟ وهل هو أعظم من حرمة ترك الصلاة التي ترتفع عند الاضطرار والتقيّة؟ أمّا بناءً على كون الرواية بصدد بيان أصل المشروعيّة، فالاستثناء صحيح ; لأنّ عدم مشروعيّة التقيّة في شرب النبيذ والمسح على الخفّين من جهة عدم وجود الموضوع فيهما . ولعلّ الشيخ الأنصاري لم يلفت نظره الشريف إلى الاستثناء الأوّل ، وإنّما توجّه إلى الثاني فقط ، ولو كان متوجّهاً إلى الأوّل لقال: ما قلناه في معنى الرواية(1) . انتهى خلاصة كلامه (قدس سره) . وفيه أوّلاً : أنّ الشيخ قد صرّح بكون الرواية في مقام إثبات المشروعيّة وقال : دلّت الرواية على ثبوت التقيّة ومشروعيّتها في كلّ شيء ممنوع لولا التقيّة(2) . لكن نظره الشريف إلى وجود الملازمة الواضحة بين المشروعيّة وارتفاع الأحكام ; فإنّ مشروعيّة التقيّة في الحرام النفسي مساوق لحلّيته ، وفي الحرام الغيري مساوق لرفع الجزئيّة التي هي سبب للحرمة، مع أنّ أصل المشروعيّة أمر مجمل بعيد عن هذه التعبيرات . وثانياً : أنّ منشأهذا التفسيريرجع إلى الإشكال الذي ذكره السيّد الخوئي ، مع أنّ الشيخ قد التفت إلى الإشكال وقال : إنّ ظاهر الاستثناء فيهما مخالف لما اُجمع عليه (1) التنقيح، في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 217 و 247 ـ 248. (2) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 90. صفحه 68 من ثبوت التقيّة فيهما ، وقال في جوابه : إنّ هذه المخالفة لا يقدح فيما نحن بصدده(1) . فالإنصاف أنّه ـ مع قطع النظر عن السند ـ تكون الرواية واضحة الدلالة للمطلوب، والله العالم . ومنها : موثّقة مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث : أنّ المؤمن إذا أظهر الإيمان ثمّ ظهر منه ما يدلّ على نقضه خرج ممّا وصف وأظهر، وكان له ناقضاً إلاّ أن يدّعي أنّه إنّما عمل ذلك تقيّةً ، ومع ذلك ينظر فيه، فإن كان ليس ممّا يمكنأن تكون التقيّة في مثله لم يقبل منه ذلك ; لأنّ للتقيّة مواضع، من أزالها عن مواضعها لم تستقم له ، وتفسير ما يتّقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحقّ وفعله ، فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدّي إلى الفساد في الدين; فإنّه جائز(2) . بيان الاستدلال : أنّ الجواز بمعنى المضيّ ، وهو أعمّ من التكليفي والوضعي ، فالرواية تعطي قاعدة كلّيّة ; وهي: أنّ كلّ ما يفعله المؤمن من جهة التقيّة; سواء كان تركاً للجزء، أو الشرط، أو إتياناً للمانع; فإنّه صحيح إذا لم ينجرّ إلى فساد في الدين وهذا التعبير نظير قوله (عليه السلام) : الصلح جائز بين المسلمين(3) . فهذه الرواية دالّة على الإجزاء، كما فهمه الشيخ الأنصاري(4) والسيّد الإمام الخميني(5) ، ولكن أورد السيّد الخوئي على الاستدلال بها بثلاث إيرادات : (1) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 91. (2) الكافي 2: 168 ح1، وعنه وسائل الشيعة 16: 216، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب25 ح6. (3) الكافي 7: 413 قطعة من ح1، تهذيب الأحكام 6: 226 قطعة من ح541، وعنهما وسائل الشيعة 27: 212، كتاب القضاء، أبواب آداب القاضي ب1 قطعة من ح1، وفي ص234، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب3 ح5 عن الفقيه 3: 20 ح52. (4) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 92. (5) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 191. صفحه 69 الأوّل : أنّها مخدوشة من حيث السند ; فإنّ مسعدة بن صدقة ممّن لم يوثّق في كتب الرجال . الثاني : أنّ الرواية لا تدلّ على المدّعى ; لأنّه قد اُسند الجواز فيها إلى الفعل ، وهذا الإسناد ظاهر في الجواز النفسي الاستقلالي، ولا يدلّ على الجواز الغيري ، والمراد من الجواز النفسي إباحة الشيء مستقلاًّ من دون نظر إلى أنّه جزء، أو شرط للغير ، والمراد من الجواز الغيري كون دخالته في شيء، وعدم دخالته على حدٍّ سواء ، وعلى هذا يستفاد من الرواية جواز ما هو حرام مستقلاًّ، ولا يستفاد منها الحلّيّة الغيريّة . الثالث : أنّ صدر الرواية شاهد على كونها بصدد بيان أصل مشروعيّة التقيّة، لا جواز الفعل المتّقى به ; فإنّ صدرها شاهد على كونها في مقام بيان مواضع التقيّة، وجريانها في الموارد المعيّنة . وعلى هذا لا تدلّ على سقوط الجزء عن الجزئيّة، أو الشرط عن الشرطيّة في موارد التقيّة(1) . والإيرادات كلّها مخدوشة : أمّا الأوّل : أنّ لمسعدة توثيقاً عامّاً ; فإنّه ممّن ورد في أسانيد كتاب كامل الزيارات، وتفسير عليّ بن إبراهيم(2) ، والسيّد الخوئي كان ممّن اعتبر هذا المقدار من التوثيق بشرط عدم وجود تضعيف معتبر ، وقد قيل : إنّه قد عدل عن هذا المبنى . وأمّا الثاني : فأوّلاً : أنّه لا نسلّم ظهور الجواز في خصوص الجواز النفسي ، بل جواز كلّ شيء بحسبه ، وهو أعمّ من التكليف والوضع ، ولعلّه (قدس سره) قد التفت إلى هذا الإشكال وصرّح به في الإيراد الثالث . (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 250. (2) راجع ص 30. صفحه 70 وثانياً : تقسيم الجواز إلى النفسي والغيري غير فنّي ; فإنّ الجواز في التكليفيّات بمعنى الإباحة ، وفي الوضعيّات يكون بمعنى الصحّة . أمّا الجواز بمعنى استواء دخالته وعدم دخالته في شيء، فليس بصحيح . وأمّا الثالث : فإنّ صدر الرواية وإن كان شاهداً على كونها بصدد بيان مواضع التقيّة ، لكن ذيلها يعطي قاعدة كلّيّة مع ملاكها ، والقاعدة هي: أنّ كلّ ما يفعل المؤمن من جهة التقيّة فإنّه جائز ، والملاك هو عدم أدائه الى الفساد في الدين ، ومن هذه القاعدة نستفيد صحّة العمل في مورد ترك الجزء، أو الشرط، أو إتيان المانع . ومنها : ما ذكره السيّد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً من تفسير النعماني بإسناده عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) قال : وأمّا الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار ـ يعمل بظاهرها عند التقيّة ولا يعمل بباطنها ـ فإنّ الله ـ تعالى ـ نهى المؤمن أن يتّخذ الكافر وليّاً، ثمّ منّ عليه بإطلاق الرخصة له عند التقيّة في الظاهر أن يصوم بصيامه، ويفطر بإفطاره، ويصلّي بصلاته، ويعمل بعمله، ويظهر له استعمال ذلك موسّعاً عليه فيه . وعليه أن يدين الله ـ تعالىـ في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين المستولين على الاُمّة، قال الله ـ تعالىـ : (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَـفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْء إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَـئـةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) (1) فهذه رخصة تفضّل الله ـ تعالى ـ بها على المؤمنين ، رحمة لهم ليستعملوها عند التقيّة في الظاهر ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الله يحبّ أن يؤخذ برخصه، كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه(2) . (1) سورة آل عمران 3: 28. (2) رسالة المحكم والمتشابه، المطبوع بتمامها في بحار الأنوار 93: 29 ، وفي جامع الأخبار والآثار 3: 135، وعنه وسائل الشيعة 1: 107، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات ب25 ح1، وج10: 133، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم ب57 ح8 ، وج16: 232 ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب29 ح20 ، وبحار الأنوار 75: 390 ح10. صفحه 71 والاستدلال بها من وجوه : الأوّل : أنّ الظاهر من العمل بعمله والصلاة بصلاته; هو صحّة العمل وإجزاؤه عن الوظيفة الأوّليّة . الثاني : أنّ التعبير بالرحمة والمنّة صريح في الإجزاء ; فإنّ الإعادة أو القضاء مناف للتفضّل والرحمة . الثالث : أنّ قوله (عليه السلام) : «موسّعاً عليه» يدلّ على الإجزاء أيضاً ، فالإعادة أو القضاء مخالف للتوسعة . الرابع : يستفاد من الرواية أنّ التقيّة من مصاديق الترخيص، ويحبّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يؤخذ برخصه، فينتج أنّ التقيّة محبوبةلله تباركوتعالى، ومن المعلوم أنّ العمل غير الصحيح لا يكون محبوباً ، والعجب كلّ العجب من القائلين بعدم الإجزاء; إذ مع وجود هذه التعبيرات العالية في الروايات ، فهل يكون الشيء محبوباً ورحمةً ومنّةً ومستعملاً في الدين، ومع ذلك يكون باطلاً وغير صحيح؟ كلاّ ثمّ كلاّ . إن قلت : إنّ قوله (عليه السلام) : «أن يدين الله ـ تعالىـ في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه» ظاهر في إعادة ما يأتي به تقيّةً . قلت : إنّ الظاهر من الكلام; أنّ لمهيّة العبادات مصداقين مختلفين : التقيّة وعدمها، لكنّ التقيّة مصداق ظاهري، وعدمها مصداق باطنيّ . ومنها : رواية سفيان بن سعيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، وفيها : يا سفيان من استعمل التقيّة في دين الله فقد تسنّم الذروة العليا من القرآن(1) . (1) معاني الأخبار: 385 ح20، وعنه وسائل الشيعة 16: 208، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح17. صفحه 72 وجه الاستدلال: أنّ الظاهر من استعمال التقيّة في دين الله ، أنّ ما يرتبط بالشارع ويعدّ من الدين اُصولاً وفروعاً يأتي فيه التقيّة ، والتعبير بأنّه «تسنّم الذروة العليا من القرآن» ظاهر بل نصّ في صحّة العمل ، على أنّ ما يستعمل في دين الله يكون صحيحاً ومصداقاً للمأمور به ، وقد جاء نظير هذا التعبير في بعض آخر، فراجع(1) . ومنها : ما عن سعد بن عبد الله في بصائر الدرجات بسنده الصحيح عن معلّى ابن خنيس قال : قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) : يا معلّى ، اكتم أمرنا ولا تذعه ; فإنّه من كتم أمرنا ولا يذيعه أعزّه الله في الدنيا، وجعله نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنّة . يا معلّى، إنّ التقيّة من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقيّة له . يا معلّى، إنّ الله يحبّ أن يعبد في السرّ كما يحبّ أن يُعبد في العلانية، يا معلّى، والمذيع لأمرنا كالجاحد له(2) . بيان الاستدلال : أنّ العبادة سرّاً ـ المستفاد من قوله (عليه السلام) : «إنّ الله يحبّ أن يُعبد (1) التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكري (عليهما السلام) : 175 ـ 176، الاحتجاج 1: 555 ـ 557، آخر الرقم 134، وعنهما وسائل الشيعة 16: 228، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب29 ح11. وفي بحار الأنوار 75: 418 ح72 عن الاحتجاج. (2) مختصر بصائر الدرجات : 235 ح291، وعنه وسائل الشيعة 16: 210، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح24، وفي ص485 ح6 عن الكافي 2: 223 ح8 والمحاسن 1: 397 ح890 . وأخرجه في بحار الأنوار 2: 73 ح41 وعوالم العلوم 3: 308 ح20 عن المحاسن، وفي ج75: 76 ح25 عن الكافي. وفي بحار الأنوار 75: 421 ح80 ، ومستدرك الوسائل 12: 255 ح14041 عن مشكاة الأنوار 1: 87 ح171. صفحه 73 فى السرّ» ـ ظاهرة في العبادة على نعت التقيّة ، بقرينة العبارات الواردة قبل هذه العبارة ، وواضح أنّ العمل الباطل لا يُعدّ عبادةً . وقد ورد في بعض الروايات: «أنّ التقيّة أحبُّ شيء يُعبد به الله»; كموثّقة هشام بن سالم قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : ما عبد الله بشيء أحبّ إليه من الخبء ، قلت : وما الخبء؟ قال : التقيّة(1) . والمراد أنّ العبادة تقيّةً أحبّ من العبادة في غير التقيّة ، والله العالم . ومنها : موثّقة سماعة قال : سألته عن رجل كان يصلّي، فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة ؟ قال : إن كان إماماً عدلاً فليصلّ اُخرى وينصرف ويجعلها تطوّعاً، وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو ، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو، ويصلّي ركعة اُخرى، ويجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله (صلى الله عليه وآله) ، ثمّ ليتمّ صلاته معه على ما استطاع ; فإنّ التقيّة واسعة، وليس شيء من التقيّة إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله(2) . وقد استدلّ الشيخ الأنصاري(3)، والسيّد الإمام الخميني(4) بها على الإجزاء ، ودلالتها عليه أوضح من بعض الروايات المبحوثة عنها ; فإنّها كالنصّ فيصحّة الصلاة معهم; لأنّ قوله (عليه السلام) : «على ما استطاع» بمعنى أنّ فعله صحيح بالمقدار الذي يستطيع أن يفعل ، ولو لم يستطع على إتيان جزء فلا محذور فيه ، بل (1) معاني الأخبار: 162 ح1، وعنه وسائل الشيعة 16: 207، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح15. (2) الكافي 3: 380 ح7، تهذيب الأحكام 3: 51 ح177، وعنهما وسائل الشيعة 8: 405، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة ب56 ح2. (3) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 92. (4) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 192. صفحه 74 مأجور عليه ، والرواية وإن كانت واردة في الصلاة، لكن نتعدّى عنها بجهة التعليل الوارد في ذيلها . والسيّد المحقّق الخوئي قد أورد على الشيخ الأنصاري بأنّ تفسيره للروايةغير صحيح، وقال : إنّ الشيخ قد حمل الجملة الثانية أعني قوله (عليه السلام) : «وإن لم يكن إمام عدل» على أنّه يجعل ما بيده من الفريضة تطوّعاً، ويسلّم في الثانية ويأتمّ بالإمام(1) . مع أنّ عبارة الشيخ في رسالته تنادي بخلافه ; فإنّه قال : فإنّ الأمر بإتمام الصلاة على ما استطاع مع عدم الاضطرار إلى فعل الفريضة في ذلك الوقت ـ معلّلاً بأنّ التقيّة واسعة ـ يدلّ على جواز أداء الصلاة في سعة الوقت على جميع وجوه التقيّة(2) ، انتهى كلامه . ثمّ قال : إنّ الاستدلال بالرواية غير تامّ، ولا يستفاد منها الإجزاء ; لأنّ مضمون الرواية الاقتداء بالإمام بقدر ما يستطيعه من الإبراز والإظهار ، وهذا لااختصاص له بالائتمام من أوّل الصلاة ، بل لو أظهر الائتمام في أثناء الصلاة أيضاً كان ذلك تقيّة ، وعلى ذلك لا دلالة للرواية على جواز الاكتفاء في الصلاة معهم بما يتمكّن منه من الأجزاء والشرائط . وبالجملة: إنّ المراد من الرواية; إظهار الائتمام وصورة الائتمام بقدر ما يستطيع من الإظهار ، واستشهد لذلك بالعنوان الذي ذكره صاحب الوسائل لهذا الباب الذي ذكر فيه الرواية ; فإنّ عنوان الباب هو: استحباب إظهار المتابعة في أثناء الصلاة مع المخالف ، وقال في آخر كلامه : ولعلّ الشيخ لم يلفت نظره الشريف إلى (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5 : 248 . (2) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 90. صفحه 75 عنوان الباب في الوسائل(1); انتهى كلامه . وفيه أوّلاً : أنّ قوله (عليه السلام) : «على ما استطاع» متعلّق بقوله (عليه السلام) : «ليتمّ معه»، والمعنى: أنّ الائتمام مع الإمام واجب على نحو يكون مستطيعاً ، والمعيّة ظاهرة في الاقتداء الواقعي لا الصوري ، وبعبارة اُخرى : المعيّة الظاهريّة تحتاج إلى قيد ، بخلاف المعيّة الواقعيّة، فيكفي فيها الإطلاق . وثانياً : أنّ ما فهمه صاحب الوسائل ليس حجّة حتّى يحتجّ به على الشيخ ، فإنّا إذا تتبّعنا نجد بعض العناوين الواردة في أبواب الكتاب، أنّه غير مرتبطة بالأحاديث التي ذكرها تحت ذاك العنوان، فليراجع . فالاستدلال بالرواية للإجزاء تامّ ، لكن بقي هنا إشكال الإضمار في سندها ، والمضمر هو سماعة، وهو ليس كزرارة ومحمّد بن مسلم وأضرابهما من الأجلاّء الذين لا يناسبهم السؤال عن غير أئمـّتهم(عليهم السلام)، بل هو من الواقفيّة ، ومن الممكنأن يسأل عن غير أئمـّتنا(عليهم السلام) . (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 249. |
|
|||||||||||||||