|
||||||||||||||||
صفحه 76 صفحه 77 الفصل الثامن : لو ترك التقيّة وأتى بالعمل على خلافها، فهنا صورتان : الاُولى ـ وهي التي لم يتعرّض لها الشيخ في رسالته ـ : أن يترك المكلّف العمل رأساً، فلا يأتي به تقيّة، ولا على طبق الوظيفة الأوّليّة ، بل يعمل عملاً ثالثاً ، كما إذا اقتضت التقيّة الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجّة، والمكلّف قد ترك الوقوف في ذلك اليوم وفي اليوم التاسع على حسب عقيدته ، وكما إذا اقتضت غسل الرجلين، ولكن المكلّف ترك الغسل والمسح معاً . ذهب السيّد الخوئي في هذه الصورة إلى أنّه لو استندنا في صحّة العمل المتّقى به إلى السيرة الجارية من زمان الأئمـّة(عليهم السلام) إلى عصرنا هذا، فلا إشكال في الحكم بالبطلان ، حيث يكفي فيه مخالفته للوظيفة الواقعيّة ، والمخالف للواقع باطل . وبعبارة اُخرى : السيرة إنّما تحقّقت فيما إذا كان العمل المخالف للواقع موافقاًللعامّة; بأن يؤتى به متابعة لهم . وأمّا ما كان مخالفاً للواقع، ولم يكن موافقاً لهمفلم تقم أيّة سيرة على صحّته . وأمّا إذا استندنا في الصحّة إلى الأدلّة اللفظيّة; كقوله (عليه السلام) :«ماصنعتم من شيء»(1) إلخ، فإن استفدنامن الأدلّة اللفظيّة انقلاب الوظيفة (1) تقدّم في ص63. صفحه 78 الواقعيّة الأوّليّة إلى ما يعتقده العامّة، فلابدّ من الحكم بالبطلان; لعدم مطابقةالمأتيّ به لما هو الوظيفة في ذلك الحال . وأمّا إذا استفدنا وجوب التقيّة فقط من دون انقلاب في البين فلايبعد الحكم بالصحّة(1) . الصورة الثانية ـ وهي التي تعرّضها الشيخ الأنصاري (قدس سره) ـ أن يفعل المكلّف على طبق الوظيفة الواقعيّة الأوّليّة، وترك العمل على طبق مذهب العامّة(2) ، ولا خلاف في صحّة المعاملة في هذا الفرض ، وإنّما وقع الخلاف في صحّة العبادة، وفيها أقوال ثلاثة : الأوّل : صحّة العمل مطلقاً ، ذهب إليه جمع، منهم: السيّد الإمام الخميني (قدس سره) (3) . الثاني : عدم الصحّة مطلقاً، ذهب إليه صاحب الجواهر(4)، وقد جزم به الفقيه الهمداني(5) . الثالث : التفصيل بين لزوم رعاية التقيّة في الأجزاء والشرائط التي تكون متّحدةمع العبادة ، وبين الأجزاء والشرائط التي كانت خارجة عنها ، ففي الأوّل ترك التقيّة موجب للبطلان، بخلاف الثاني ، والأوّل كالسجدة على التراب فيما إذااقتضت التقيّة تركها، والثاني كترك التكتّف، وغسل الرجلين في الوضوء ، ذهب إليه الشيخ الأنصاري(6) ، ووافقه المحقّق النائيني(7) ، وتبعه السيّد الخوئي(8) في خصوص (1) التنقيح، في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 278 ـ 279. (2) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 96. (3) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 186. (4) جواهر الكلام 2: 239. (5) مصباح الفقيه 2: 435. (6) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 96. (7) كتاب الصلاة تقريرات بحث النائيني (رحمه الله) للشيخ محمّد تقي الآملي (رحمه الله) 2 : 299. (8) التنقيح في شرح العروة الوثقى 5: 281 ـ 282. صفحه 79 ما إذا اقتضت التقيّة ترك شيء، ولكن يفعله المكلّف ، أمّا فيما إذا اقتضت شيئاً كالتكتّف، ولكن يتركه المكلّف، فعمله صحيح مطلقاً . حجّة القول الأوّل : أنّ الصحّة مطابقة للقواعد ; لأنّ التقيّة وإن كانت واجبة ، لكنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن الضدّ ، فالأمر بالتقيّة لا يقتضي النهي عن ضدّها حتّى يكون فاسداً(1) ، وبناءً على هذا يكون التارك للتقيّة عاصياً فقط . وفيه : أنّا لا نحتاج لإثبات النهي إلى هذه القاعدة الاُصوليّة حتّى يقال بعدم إقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن الضدّ ، بل يستفاد من التعليلات الواردة في روايات التقيّة أنّ تركها موجب لوهن المذهب(2) ، ـ كقولهم(عليهم السلام): يغفر الله للمؤمن كلّ ذنب ـ إلى أن قال ـ : ما خلا ذنبين: ترك التقيّة و...(3)، أو ليس منّا من لم يلزم التقيّة(4) ـ وأنّ الفعل على خلاف مذهبهم يكون منهيّاً عنه ، وإلاّ فمسألة الحرمة التكليفيّة محلّ مناقشة، مع أنّها مسلّمة قطعاً . حجّة القول الثاني : وهي اُمور : الأوّل : وله تقريبان : التقريب الأوّل : أنّ تارك التقيّة تارك للفعل المأمور به ، وترك المأمور به (1) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 186ـ 187. (2) لاحظ ما تقدّم في ص44 ـ 48. (3) تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام) : 321 ح166، وعنه وسائل الشيعة 16: 223، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب28 ح6. (4) أمالي الطوسي: 281 ح543، وعنه وسائل الشيعة 16: 212 ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح28. صفحه 80 مساوق لفساد العمل(1) . وأجاب عنه الشيخ الأعظم في رسالته بأنّ ترك التكتّف لا يكون إخلالاً بالمأمور به ; فإنّ التكتّف واجب مستقلّ خارج عن المأمور به . ثمّ أورد على نفسه إيراداً، وأجاب عنه . والإيراد هو: أنّ لازم كلامكم صحّة الوضوء لو ترك المسح على الرجلين وعلى الخفّين معاً ; لأنّ المسح على الخفّين واجب مستقلّ ، وتركه غير مخلّ في المأمور به ، مع أنّ الإجماع قائم على البطلان . وأجاب: أنّ البطلان ليس من جهة ترك التقيّة ، بل من جهة ترك أصل المسح ; فإنّ التقيّة تقتضي إلغاء قيد المماساة بين الماسح والممسوح ، ولا تقتضي إلغاء أصل المسح . وبالجملة : ذهب الشيخ في مسألة المسح إلى الانحلال، واعتقد بالانحلال إلى أصل المسح، وإلى المسح على البشرة ، والثاني ينتفي في فرض التقيّة ، فبقي الأوّلبحاله ، واستدلّ برواية عبد الأعلى مولى آل سام(2)، ثمّ إنّه قد أيّد الانحلال بفتوى الفقهاء بتقديم غسل الرجلين فيما إذا دار الأمر بين غسلهما، وبين المسح على الخفّين; فإنّ علّة التقديم أنّ في الغسل يكون إيصال الرطوبة موجوداً، بخلاف المسح على الخفّين ، فهذا شاهد على الانحلال(3) . وقد أورد عليه السيّد الإمام في رسالته بأنّ هذا النحو من التحليل ليتّسع الخرق على الواقع ; لإمكان أن يقال : إنّ المسح ينحلّ إلى أصل الإمرار ولو بغير (1) جواهر الكلام 2: 239، مصباح الفقيه 2: 435. (2) تهذيب الأحكام 1: 363 ح1097، الاستبصار 1: 77 ح240، الكافي 3: 33 ح4، وعنها وسائل الشيعة 1: 464، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء ب39 ح5. (3) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 96 ـ 98. صفحه 81 اليد، وعلى غير الرجل ، فإذا تعذّر المسح باليد وعلى الرجل يجب مسح شيء بشيء آخر، وهو كما ترى(1) . انتهى كلامه . ولنا على الشيخ إشكالان : الإشكال الأوّل : عدم جريان هذا الجواب في الجزء والشرط ، ففيما إذا وجب ترك جزء، فلو فعله لفَعَل غير ما هو المأمور به في حال التقيّة، ويكون فاسداً . الإشكال الثاني : أنّ الظاهر من أدلّة التقيّة إتيان العمل على نحو يعتقده العامّة، فإذا اعتقدوا بشرطيّة التكتّف للصلاة، فتركه مخلّ بالمأمور به قطعاً . التقريب الثاني لهذا الدليل : أنّ التقيّة وعدمها موضوعان مختلفان للحكم الواقعي الأوّلي والثانوي ، ولا ريب في تبدّل الحكم بتبدّل الموضوع، كالمسافر والحاضر ، ففي فرض التقيّة يتبدّل الحكم والأمر ، ومخالفته موجب لفساد العمل . إن قلت : التبدّل مسلّم فيما إذا كان التبدّل في الخطاب والملاك معاً ، أمّا لو كان التبدّل في الخطاب مع بقاء الملاك فلا يتبدّل الحكم ، فيصحّ العمل ; لتوقّف الصحّة على الملاك دون الخطاب . قلت : لا طريق لإحراز الملاكات إلاّ الخطابات ، ومع سقوط الخطاب وعدم وجود طريق آخر، لا طريق إلى إحراز بقاء الملاك ، ومع عدم إحراز بقاء الملاك لايصحّ الحكم بالصحّة . إن قلت : الطريق للإحراز هو الاستصحاب ، ففي فرض التقيّة نعلم برفع الخطاب، ونشكّ في سقوط الملاك ، فنستصحب بقاء الملاك . قلت : إنّ هذا الأصل مثبت ، فتدبّر . (1) الرسائل ، رسالة في التقيّة 2 : 187 . صفحه 82 تنبيه إنّ الظاهر من أدلّة التقيّة الانقلاب الواقعي ، فيسقط الحكم الواقعي ملاكاً وخطاباً ، كما يستفاد من قول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيح ابن سالم في قول اللهـ عزّوجلّ ـ : (وَ يَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) (1) قال : الحسنة: التقيّة، والسيّئة: الإذاعة(2) . وقوله (عليه السلام) : لا دين لمن لا تقيّة له(3) ، إلى غير ذلك من التعبيرات المقتضية للانقلاب . وما يقال: من أنّ ظاهر أوامر التقيّة كونها ديناً، وهو مقتض لبدليّة ما يوافق التقيّة عن الواقع ، فيكون في طول الواقع ، فالإتيان بالواقع مجزئ مسقط للأمر(4) ، فيكفي في فساده التأمّل في التعبيرات الواردة في أدلّة التقيّة ; فإنّ معنى كون عدم التقيّة سيّئةً : هو عدم المشروعيّة ، وبهذا البيان يظهر فساد ما ذهب إليه المحقّق النائيني (قدس سره) من الإنقلاب في خصوص الأجزاء والشرائط المتّحدة مع العبادة(5) ; فإنّ المستفاد من الروايات هو الانقلاب مطلقاً . (1) سورة القصص 28: 54. (2) الكافي 2: 217 ح2، وعنه وسائل الشيعة 16: 203، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح3. (3) تقدّم في ص65. (4) مستمسك العروة الوثقى 2: 410. (5) كتاب الصلاة تقرير بحث آية الله النائيني(قدس سره) للشيخ محمّد تقي الآملي (رحمه الله) 2: 299. صفحه 83 الفصل التاسع : لا إشكال في جريان التقيّة في الأحكام من حيث الحكم التكليفي والوضعي، كالمسح على الخفّين والتكتّف ، وكذا لا إشكال في جريانها من حيث الحكم التكليفي في الموضوعات ، وإنّما الإشكال في جريانها في الموضوعات من حيث الصحّة والإجزاء ، فمثلاً الوقوف بعرفات في يوم الثامن لأجل ثبوت الهلال عندهم،هل يكون موجباً لصحّة الحجّ وعدم لزوم إعادته، أم لا؟ ذهب الشيخ الأنصاري إلى عدم جريان التقيّة في الموضوع المحض الذي لايرتبط بالحكم والمذهب ; مستدلاًّ بأنّ أدلّة التقيّة لو كانت مطلقة لكانت منصرفة إلى ما يرتبط بالمذهب ، والاختلاف في الموضوع خارج عن هذا ، فمثلاً إنّ هذا اليوم هواليوم الثامن أو التاسع لا دخل له بالمذهب، وإنّما هو اختلاف في موضوع صرف(1)، وقد وافق الشيخ في هذا القول المحقّق البجنوردي(2) . وذهب صاحب الجواهر إلى نفي البعد عن إلحاق الموضوع بالحكم، واستدلّ على ذلك بأمرين : (1) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 79 ـ 80 . (2) القواعد الفقهيّة للبجنوردي 5 : 60 ـ 61 . صفحه 84 الأمر الأوّل : أنّ القول بالإعادة وعدم الصحّة مستلزم للحرج ، مع عدم الحكم الحرجي في الدين . الأمر الثاني : في خصوص الوقوف بعرفات يوم الثامن لو قلنا بعدم الصحّة ووجوب الإعادة في السنة الآتية لأمكن الاختلاف في السنة الآتية أيضاً ، وهكذا في السنين الاُخر ، واحتمال وجود هذا الاختلاف كاف في المنع عن الإعادة (1). ويرد على الأوّل: أنّ الحجّ أمر حرجيّ في نفسه ، وقاعدة لا حرج لا تتأتّى في المورد الذي يكون تكليفاً حرجيّاً في نفسه . وعلى الثاني: أنّ مجرّد هذا الاحتمال لا يكفي في رفع التكليف اليقيني وبراءة الذمّة عنه . هذا، ولكنّ التحقيق صحّة ما ذهب إليه، وفاقاً للإمام الخميني(2) وجمع من المحقّقين(3) ، وعلى ذلك دليلان : الدليل الأوّل : العمومات والإطلاقات الواردة في أدلّة التقيّة ; فإنّها شاملة للحكم والموضوع معاً ، وما ذكره الشيخ الأعظم من انصراف الإطلاقات إلى مايرتبط بالمذهب غير تامّ; لأنّ الظاهر من أدلّة التقيّة أنّ استعمالها لازم فيما يرتبط بالدين وما ينسب إلى الشارع، من دون فرق بين الحكم والموضوع ، مضافاً إلى أنّ تعبير بعض الروايات الواردة ـ ، كقوله (عليه السلام) : إيّاكم أن تعملوا عملاً نعيّر به(4)ـ ظاهر في جريان التقيّة في الموضوع أيضاً ; فإنّ المخالفة في الموضوع موجب لوهن المذهب وتعيير الأئمـّة(عليهم السلام) . (1) جواهر الكلام 19: 32. (2) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 196. (3) مهذّب الأحكام 2: 387. (4) تقدّم بتمامه في ص44. صفحه 85 ويستفاد من الإطلاقات ـ مضافاً إلى جريان التقيّة في الموضوعات ـ عدم الفرق بين صورة الشكّ، وصورة العلم بالخلاف; فلو علم شخص بأنّ هذا اليوم هوالثامن، واعتقد العامّة بأنّه يوم التاسع، فوقف معهم بعرفات، لكان حجّه صحيحاً . الدليل الثاني : السيرة القطعيّة ، والمقصود أنّه بعد زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عصر الغيبة يحجّون الأئمـّة(عليهم السلام) والشيعة مع سائر الناس ، وكان أمر الحجّ بيد حكّام العامّة، ومن الواضح تحقّق الاختلاف في هذا الزمن ـ الذي كان أكثر من مائتي عام ـ في أوّل الشهر، وطبعاً في اليوم التاسع ، ومع ذلك لم يرد من الأئمـّة(عليهم السلام) النهي عن إتّباع العامّة والوقوف معهم ، ولم يسمع أنّهم وقفوا خلاف وقوفهم ، ولو كان لبان ; لكثرة الابتلاء . وهذا يدلّ على الصحّة والإجزاء، وهذا الدليل شموله أقلّ من الدليل الأوّل; لحجّيّته في الاُمور التي كانت كثيرة الابتلاء، وكانت بمرئى ومنظر من الأئمـّة(عليهم السلام)، بينما أنّ الدليل الأوّل شامل لها، وللاُمور التي لم تكن كثيرة الابتلاء ، وقد تأمّل المحقّق البجنوردي في ثبوت هذه السيرة(1) ، وفي تأمّله تأمّل . وهنا رواية قد يستدلّ بها على الإجزاء في الموضوعات ; وهي: ما رواها الشيخ بإسناده عن أبي الجارود زياد بن منذر قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) : إنّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى ، فلمّا دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) وكان بعض أصحابنا يضحّي، فقال : الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحّي الناس، والصوم يوم يصوم الناس(2) . وجه الاستدلال: أنّ ظاهرها أنّ يوماً يضحّي الناس فهو الأضحى حقيقةً ، (1) القواعد الفقهيّة للبجنوردي 5: 64. (2) تهذيب الأحكام 4: 317 ح966، وعنه وسائل الشيعة 10: 133، كتاب الصوم ، أبواب ما يمسك عنه الصائم ب57 ح7. صفحه 86 ويوماً يفطر الناس فهو يوم الفطر حقيقةً ، ومعنى هذا جريان التقيّة في الموضوع والإجزاء في العمل على وفقهم ، ومع إلغاء الخصوصيّة نتعدّى إلى كلّ موضوع ، ولكنّ الرواية وإن كانت ظاهرة في هذا المعنى; إلاّ أنّ سنده ضعيف بأبي الجارود الذي ينسب إليه الجاروديّة ، وقيل في حقّه : إنّه كان كذّاباً كافراً (1). فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه جريان التقيّة والإجزاء في الموضوعات على نحو جريانها في الأحكام، من دون فرق بين الشكّ والعلم بالخلاف . تنبيه قد وقع الخلاف في أنّ حكم حاكم أهل السنّة هل هو نافذ في حقّنا، كحكم حاكمنا أم لا على ثلاثة أقوال; ذهب جمع(2) إلى النفوذ مطلقاً ، من دون فرق بين الشكّ والعلم بالخلاف . وذهب السيّد الإمام الخميني إلى عدم النفوذ مطلقاً(3) ، وذهب بعض كالمحقّق البجنوردي(4) والسيّد الخوئي(5) إلى النفوذ في صورة الشكّ ، وهذا هو الحقّ . وليعلم أنّ هذا بحث آخر لا يرتبط بالبحث عن جريان التقيّة في الموضوع ، والعجب وقوع الخلط بينهما في كثير من الكلمات ; فإنّ النفوذ مرتبط بالحكم والمذهب، ولا يرتبط بالموضوع ، فتدبّر . والإنصاف: أنّ أدلّة التقيّة شاملة لهذا في صورة الشكّ فقط ; فإنّ الجري على طبق مذهبهم يقتضي نفوذ حكم حاكمهم بالنسبة إلينا، كما هو نافذ بالنسبة إليهم ، (1) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ «رجال الكشي»: 230، الرقم 416، معجم رجال الحديث 7: 323. (2) جواهر الكلام 19: 32، مستمسك العروة الوثقى 2: 407 ـ 409، مهذب الأحكام 14: 177ـ 182. (3) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 196. (4) القواعد الفقهيّة 5: 64. (5) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 254 ـ 256. صفحه 87 وبعبارة اُخرى: من أحكام مذهبهم نفوذ حكم الحاكم ، فتجري التقيّة فيه . وأمّا التقييد بصورة الشكّ، فلأجل عدم نفوذ حكم الحاكم في مذهبهم في صورة العلم بالخلاف، ولا أقلّ من عدم ثبوت هذا في مذهبهم . صفحه 88 صفحه 89 الفصل العاشر : كلمة المندوحة مأخوذة من «الندح» بفتح الأوّل، أو ضمّه، بمعنى الوسعة ، وقد اختلفوا في أنّ التقيّة هل يكون مشروعيّتها مقيّدة بعدم إمكان التخلّف عن العمل تقيّة ، فلو تمكّن من أن يأتي بالفعل على النحو الواقعي لما يجوز التقيّة ،أم لا يكون مقيّدة ؟ وقبل ذكر الأقوال وبيان الأدلّة يلزم ذكر اُمور لإيضاح محلّ الخلاف : الأمر الأوّل : أنّه لا خلاف في شرطيّة عدم المندوحة فيما إذا استفيد الترخيص والإذن الشرعي الذي هو الملاك في الإجزاء; من إنضمام أدلّة التقيّة إلى الأدلّة الأوّليّة، وقلنا بشمول الأدلّة الأوّليّة لحال التقيّة ، وإنّما الخلاف فيما إذا استفدنا الإذن من نفس أدلّة التقيّة; سواء كان إذناً خاصّاً، كالإذن في الصلاة، أو في المسح على الخفّين ، أو إذناً عامّاً . الأمر الثاني : أنّ المندوحة على نوعين ، عرضيّة وطوليّة ; والمراد من الأوّل: تمكّن المكلّف من إتيان العمل الواقعي في نفس الزمان الذي يعمل على طبق التقيّة ، والمراد من الثاني: أنّ الإتيان بالمأمور به الواقعي في نفس زمان إتيان العمل على صفحه 90 طبق التقيّة غير ممكن ، لكنّه يمكن له أن يفعل في جزء آخر من أجزاء الزمان . والظاهر أنّ الخلاف إنّما وقع في المندوحة العرضيّة . وأمّا الطوليّة فالمتسالم عليه بين الفقهاء عدم اعتبارها ، فلو تمكّن المكلّف من إتيان الفعل على النحو الصحيح الواقعي في جزء آخر من أجزاء ذلك الزمان، فلا يجب عليه الإعادة . الأمر الثالث : أنّ المندوحة العرضيّة تتصوّر على نحوين : الأوّل : أن يرتفع موضوع التقيّة رأساً ; بمعنى أنّ المكلّف قادر على رفع الموضوع وانعدامه رأساً ، كما إذا أجبره الحاكم على ترك الواجب وهو قادر على إتيانه ، وكما إذا كان قادراً على التكتّف الظاهري، كأن يقرّب إحدى اليدين إلى الاُخرى من دون اتّصال إحداهما بالاُخرى ، وبعبارة اُخرى: كان متمكّناً حال الاشتغال بإيجاد الواجب موافقاً لهم من تلبيس الأمر عليهم، وإيهامهم أنّه يفعل بمثل فعلهم وإن كان لم يفعل كفعلهم بنحو لا يكون منافياً للتقيّة . فهذا النحو خارج عن محلّ النزاع، واتّفقوا على اعتبار عدم المندوحة. وقال بعض : وكأنّه ممـّا لا خلاف فيه (1). ومع وجود هذه المندوحة لا يكون التقيّة مشروعة ; لعدم صدق عنوان التقيّة عليه، وبعبارة اُخرى: إنّ عدم المندوحة بهذا المعنى من مقوّمات عنوان التقيّة عرفاً . الثاني : أن يتبدّل موضوع التقيّة ولا ينعدم ، كما إذا كان متمكّناً حال الصلاة معهم; من أن يقف في صفّ أو مكان يتمكّن فيه من السجود على ما يصحّ السجود عليه ، فهذا النحو محلّ النزاع والخلاف . نعم، يستفاد من كلام السيّد الإمام الخميني أنّ اعتبار عدم المندوحة في النحو الأوّل مسلّم إذا استفدنا اعتباره من عمومات أخبار التقيّة ومطلقاتها . وأمّا بالنظر إلى الأخبار الخاصّة الواردة في باب الوضوء والصلاة معهم (1) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم(قدس سره) ): 85 ، مصباح الفقيه 2: 443 ـ 444. صفحه 91 وغيرهما، فالمسألة محلّ نظر ، للسكوت عن لزوم إعمال الحيلة فيها مع كون المقام محلّ بيانه ، فلو كان عدمها معتبراً في الصحّة لم يجز إهماله; ثمّ ذكر بعض الأخبار الخاصّة الواردة في الوضوء . وقال في آخر كلامه : نعم، هنا أخبار في باب القراءة والجماعة ظاهرة في لزوم إعمال الحيلة، كموثّقة سماعة(1)، وصحيحة عليّ بن يقطين(2)، وحملها على الاستحباب; لقوّة ظهور المطلقات في عدم لزوم إعمال الحيلة(3) . الأمر الرابع : الظاهر أنّ جريان الخلاف منحصر بالتقيّة الخوفيّة، أو الإكراهيّة، ولا يجري في المداراتيّة ; وذلك; لأنّها إنّما شُرّعت لجلب قلوبهم وتحقّق الوحدة بين المسلمين ، وهذا لا يناسب الاشتراط بعدم المندوحة ; فإنّ الاشتراط به مستلزم لنقض الغرض، ويلزم من وجوده عدمه ، والشاهد على الاختصاص هي الأقوال الموجودة في البحث ; فإنّها كلّها تختصّ بالتقيّة الخوفيّة . وبعد هذه الاُمور الأربعة نقول : إنّ في المسألة احتمالات بل أقوال سبعة : الأوّل : اعتبار عدم المندوحة مطلقاً ، كما ذهب إليه صاحب المدارك(4) . الثاني : عدم اعتباره مطلقاً ، ذهب إليه الشهيدان والمحقّق الثاني(5) . الثالث : التفصيل بين ما كان مأذوناً فيه بخصوصه، فلا يعتبر ، كغسل الرجلين في الوضوء ، وبين مالم يرد فيه نصّ خاصّ ، وقد نسب هذا القول إلى المحقّق (1) الكافي 3: 380 ح7 ، تهذيب الأحكام 3 : 51 ح177 ، وعنهما وسائل الشيعة 8 : 405، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة ب56 ح2 .. (2) تهذيب الأحكام 3: 36 ح129، الاستبصار 1: 430 ح1663، وعنهما وسائل الشيعة 8 : 363 ، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة ب33 ح1 . وتأتي في ص96. (3) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 204 ـ 207. (4) مدارك الأحكام 1: 223. (5) البيان للشهيد الأوّل : 48 ، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان 1 : 112 ، جامع المقاصد 1: 222. صفحه 92 الثاني(1) . الرابع : التفصيل بين التقيّة من المخالفين، فلا يعتبر مطلقاً أو في الجملة ، ومن غيرهم فيعتبر ، ذهب إليه الإمام الخميني (قدس سره) (2) . الخامس : التفصيل بين ما إذا كان الإذن الوارد إذناً لامتثال أوامر التقيّة فيعتبر ، وبين ما إذا كان إذناً لامتثال أوامر الأوّليّة المتعلّقة بالعبادات فلايعتبر، وهذا التفصيل هو الذي بيّنه الشيخ الأنصاري بعنوان التصحيح لكلام المحقّق الثاني وقال : لو كان مراده من تفصيله هذا التفصيل، فهو صحيح ، لكن يحتاج إلى قيد; وهو التقييد بغير الأجزاء والشرائط الاختياريّة ; لأنّ المسألة بناءً على التفصيل تصير من مصاديق ذوي الأعذار، والأجزاء والشرائط الاختياريّتان خارجتان عن هذه المسألة(3) . السادس : اعتبار المندوحة في المندوحة العرضيّة مع تبديل موضوع التقيّة ، وعدم اعتباره في المندوحة العرضيّة مع انعدام الموضوع ، وقد قلنا في الأمر الثالث : إنّ اعتبار المندوحة العرضيّة مع انعدام موضوع التقيّة أمر مسلّم بينهم ، وعلى هذا لا يكون كلام الشيخ تفصيلاً في المسألة ، بل هو ممّن ذهب إلى اعتبار عدم المندوحة. السابع : نفس التفصيل الذي ذهب إليه السيّد الإمام ، لكن مع تفصيل في التقيّة من العامّة ; فإنّها قد تكون في ترك الواجب، أو في الإتيان بالحرام ، فيعتبر عدم المندوحة ، واُخرى في ترك جزء، أو شرط ، أو الإتيان بالمانع فلا يعتبر ،وإن شئت قلت : التقيّة من العامّة قد تكون في غير العبادة، وقد تكون في العبادة; وهو الذي ذهب إليه السيّد الخوئي(4) . (1) رسائل المحقّق الكركي 2: 52. (2) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 201. (3) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم) : 84 . (4) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5 : 264 ـ 272. صفحه 93 والصحيح: عدم إمكان المساعدة للتفصيل الذي ذهب إليه المحقّق الثاني; لعدم الفرق بين الإذن الخاصّ والعامّ; من جهة أن الإذن في العمل الذي يتّقى به إن كان أمراً بالامتثال بتلك الصورة تقيّةً، فيكون فرداً اضطراريّاً للطبيعة المأمور بها ، فيكون مجزئاً حتّى في الإذن العامّ ، وإن لم يكن أمراً بالامتثال، بل شرّعت التقيّة لأجل التحفّظ والتخلّص عن شرّهم، فالإذن الخاصّ أيضاً لا يفي بالإجزاء . وبعد هذا نقول : إنّه بعد عدم صحّة هذا التفصيل، وخروج القول الخامس عن محلّ النزاع، ورجوع قول الشيخ الأنصاري إلى القول الأوّل على ما بيّناه في تحرير محلّ النزاع ، وبعد عدم وجود الخلاف في اعتبار عدم المندوحة في التقيّة من غير العامّة ; لعدم صدق الضرورة والاضطرار في صورة المندوحة، وكذلك عدم النزاع في التقيّة من العامّة إذا كانت بصورة ترك الواجب، أو إتيان الحرام ، انحصر البحثفي اعتبار عدم المندوحة في التقيّة من العامّة في دائرة العبادات . والتحقيق: اعتبار عدم المندوحة فيما إذا كانت العبادة تقيّةً خوفيّة ، وعدم اعتباره فيما إذا كانت على نحو المداراة: أمّا الأوّل: فلعدم صدق الخوف والضرر في صورة وجود المندوحة . وأمّا الثاني: فلإطلاق الروايات الواردة في العبادة معهم(1)، والحضور في جماعاتهم(2)، وأنّ الصلاة معهم كالصلاة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3)، ولا شكّ أنّ هذه التعبيرات والترغيبات ينافي الاشتراط بصورة عدم المندوحة ; لأنّه مستلزم لنقض الغرض، وممّا يلزم من وجوده عدمه; فتحصّل من ذلك وجوه ثلاثة : الوجه الأوّل : إطلاق الروايات ; فإنّها غير مقيّدة بعدم المندوحة . الوجه الثاني : وجود الحثّ والترغيب فيها، والتعبيرات الواردة فيها ، وهي منافية للاشتراط . (1 ـ 3) وسائل الشيعة 8 : 299 ـ 302 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الجماعة ب5. صفحه 94 الوجه الثالث : أنّ بعض الروايات في مقام إعطاء الضابطة الكلّية ; كرواية مسعدة بن صدقة المتقدّمة(1); أعني قوله (عليه السلام) : «فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدّي إلى الفساد في الدين; فإنّه جائز»; فلو كان في البين قيد لوجب ذكره. نعم، هنا أخبار ربما يعارض ظاهرها مع هذه المطلقات، نشير إلى الأهمّ منها : 1 ـ رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن إبراهيم بن شيبة قال : كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من يتولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يرى المسح على الخفّين ، أو خلف من يحرّم المسح وهو يمسح؟ فكتب (عليه السلام) :إن جامعك وإيّاهم موضع فلم تجد بدّاً من الصلاة فأذّن لنفسك وأقم، فإن سبقك إلى القراءة فسبّح(2) . دلّت الرواية على أنّ الصلاة مع من يمسح على الخفّين جائزة إذا لم يجد بُدّاً من ذلك ، وفي صورة المندوحة يوجد بُدٌّ . ويرد عليه أوّلاً : أنّ الرواية على ما ذكره السيّد الخوئي ضعيفة السند ; لأنّ إبراهيم بن شيبة لم يوثّق ، وما في كلام المحقّق الهمداني(3) من إسناد الرواية إلى إبراهيم ابن هاشم من سهو القلم(4) . وثانياً : أنّ مورد الرواية هو التقيّة في المسح على الخّفين ، وقد دلّت الروايات على عدم جريان التقيّة فيه، وفصّلنا الكلام فيه سابقاً(5). وبما أنّ صلاة الرجل كانت (1) تقدّم في ص68. (2) تهذيب الأحكام 3 : 276 ح807 ، وعنه وسائل الشيعة 8 : 363 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الجماعة ب33 ح2. (3) مصباح الفقيه 2: 442. (4) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 270. (5) في ص35 ـ 41. |
|
|||||||||||||||