|
||||||||||||||||
صفحه 95 محكومة بالبطلان في مورد الرواية; فلذا منع الإمام (عليه السلام) عن الصلاة خلفه ، فهي خارجة عن محلّ الكلام . وثالثاً : أنّ الرواية لو دلّت على الاعتبار لدلّت على اعتبار عدم المندوحة الطوليّة أيضاً ، مع أنّ عدم اعتباره إجماعيّ(1) ، فيلزم تخصيص الرواية بالإجماع ، بينما إنّ لسان الحديث يأبى عن التخصيص . 2 ـ ما عن دعائم الإسلام بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال : لا تصلّوا خلف ناصب ولا كرامة ، إلاّ أن تخافوا على أنفسكم أن تشهروا ويشار إليكم، فصلّوا في بيوتكم، ثمّ صلّوا معهم ، واجعلوا صلاتكم معهم تطوّعاً(2) . ودلالة الرواية على جواز الصلاة في صورة عدم المندوحة واضحة . لكن يرد عليه أوّلاً : أنّ روايات دعائم الإسلام غير قابلة الاعتماد . وثانياً : أنّها قاصرة الدلالة على المدّعى ; لاختصاصها بالناصب ، وهو خارج عن محلّ الكلام ; لأنّه محكوم بالكفر . ثمّ لو أغمضنا عن الإيرادات الواردة على هذه الروايات لوجب الجمع بينها وبين المطلقات ، فذهب المحقّق البجنوردي إلى أنّ مقتضى الجمع عرفاً بينهما; هو حمل هذه الأخبار على إمكان التخلّص في نفس وقت التقيّة، بدون التأجيل وتأخير امتثال الواجب إلى زمان ارتفاع التقيّة، أو بدون انتقاله إلى مكان آخر للفرار عن التقيّة ، بل يمكن في نفس المكان والزمان أن يأتي بالواقع الأوّلي ، ففي مثل هذا المورد لا يجوز أن يتّقى بإتيان الواجب موافقاً لهم (3). ولا يخفى عدم صحّة هذا الجمع ; فإنّ الحمل على ذاك المورد بمعنى الحمل على (1) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم) : 85 ، مصباح الفقيه 2 : 440 ـ 444 ، التنقيح في شرح العروة الوثقى(موسوعة الإمام الخوئي) 5: 264 ـ 270. (2) دعائم الإسلام 1: 151 ، وعنه مستدرك الوسائل 6: 458 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الجماعة ب6 ح1. (3) القواعد الفقهيّة 5 : 72 . صفحه 96 المندوحة العرضيّة ، وقلنا(1) : إنّ هذا النحو من المندوحة العرضيّة الذي يرجع إلى تبديل موضوع التقيّة ، محلّ الخلاف . والصحيح أن يقال : إنّ مورد كثير من هذه الأخبار هي التقيّة الخوفيّة، وقد مرّ(2) اعتبار عدم المندوحة فيها ، وبعضها ـ كصحيحة عليّ بن يقطين قال : سألت أباالحسن (عليه السلام) عن الرجل يصلّي خلف من لا يقتدى بصلاته والإمام يجهر بالقراءة؟ قال : أقرأ لنفسك، وإن لم تسمع نفسك فلا بأس(3); فإنّه يدلّ على إتيان القراءة بمقدار الممكن، ويكون عامّاً شاملاً للتقيّة الخوفيّة والمداراتيّة ، فيمكن أن يقال : إنّه من موارد ارتفاع موضوع التقيّة خوفاً أو مداراة ; لأنّ القراءة على هذا النحولا تكون مخلاًّ بالمداراة ، فيخرج عن محلّ النزاع، كما مرّ في الأمر الثالث(4) . فما في كلمات الإمام الخميني (قدس سره) (5) من الحمل على الاستحباب، لا يمكن المساعدة عليه ; لعدم بقاء الموضوع في هذا الفرض ; بمعنى أنّ التقيّة في هذا الفرض ليس بمشروع، لا وجوباً، ولا استحباباً . (1) في ص89 ـ 90 . (2) في ص 93. (3) تهذيب الأحكام 3 : 36 ح129 ، الاستبصار 1: 430 ح1663 ، وعنهما وسائل الشيعة 8 : 363، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة ب33 ح1. (4) في ص 90 ـ 92. (5) الرسائل ، رسالة في التقيّة 2: 207. صفحه 97 رسالة في اعتبار الكتابة في الفقه الإسلامي وقد ألّفت في سنة 1416 هـ . ق بمناسبة تشكيل صفحه 98 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين وأمّا بعد، فمن التوفيقات الإلهيّة أنّه ـ تعالى ـ جعلنا في طريق استكشاف الأحكام الدينيّة، واستنباط ما أوجبه على المكلّفين في هذه الدنيا الدنيّة، وهذا من أشدّ الوظائف وأهمّ التكاليف الشرعيّة، التي لا يقدر على امتثاله إلاّ من كان له نورٌ في قلبه . ومن تلك التوفيقات تدوين رسالة جامعة ـ بمناسبة تشكيل المؤتمر العلمي لذكرى المحقّق الأردبيلي ـ للبحث عن مسألة الكتابة واعتبارها . فاعلم أنّه من المسائل المطروحة ـ في هذا الزمان ـ التي هي موردة للابتلاء بين الناس مسألة حجّية الكتابة، وأنّها هل هي حجّة شرعيّة مستقلّة ؟ وهل الشهادة والبيّنة بطريق الكتابة صحيحة أم لا؟ فيقع البحث في مقامين: صفحه 100 المقام الأوّل: في أنّ الكتابة هل هي حجّة شرعيّة في عداد سائر الحجج الشرعيّة، كالبيّنة والحلف والإقرار؟ وهل كلّ ما هو مكتوب ـ الذي قد يعبّر عنه في هذه الأزمنة بالأسناد ـ حجّة شرعيّة، أم لا؟ ودائرة هذا البحث لا تختصّ بمسألة القضاء ، بل يجري في جميع أبواب الفقه، ويتفرّع عليه فروع كثيرة، مثلاً: هل العقود والمعاملات المنشأة على نحو الكتابة صحيحة كسائر المعاملات التي تجري فيها الألفاظ؟ وبعبارة أُخرى: ما هو مقتضى القاعدة الأوّليّة في الكتابة في جميع ما يمكن أن يقع بطريق الألفاظ، أو الأفعال؟ فهل في الكتابة قصور، أو فتور عن الدلالة والإنشاء على ما هو المقصود بين الأشخاص؟ وهل الدلالة فيها أضعف من دلالة الألفاظ؟ وما هو موضع الشارع المقدّس، والشريعة السمحة السهلة في قبال هذا الأمر المهمّ المتعارف بين الناس؟ فهل الشارع قد منع في شريعته عن صحّة الكتابة وكفايتها، أم لا؟ وهل البيع على نحو الكتابة صحيحة لازمة، أم لا؟ وهل البيّنة الكتبيّة حجّة لدى القاضي، ويجب عليه الأخذ بها، أم لا؟ وهل الحلف بصورة الكتابة كافية، أم لا؟ وهكذا هل الإجازة أو الردّ في العقد الفضولي تتحقّقان بنحو الكتابة، أم لا؟ وهل حكم القاضي بنحو الكتابة نافذ يجب الأخذ به، أم لا؟ ومن الواضح أنّ محلّ البحث والكلام إنّما هو فيما إذا لم يشترط اللفظ في موضوع شيء، كالصلاة; فإنّ القراءة أو اللفظ معتبرة في موضوعها ومتعلّقها عند التيسّر، وأيضاً محلّ النزاع فيما إذا لم يشترط فيه فعل خاصّ، كالقبض في النقدين وإجراء الحدود والتعزيرات والضمان ، فمن الواضح عدم اعتبار الكتابة في هذه الاُمور، بل إمّا أن تتحقّق بالألفاظ المعتبرة كالصلاة ، أو بالأفعال المشخّصة المعيّنة ، ففي سوى ذلك ما هو شأن الكتابة واعتبارها عند الشارع المقدّس؟ صفحه 101 وبما أنّ المسألة حادثة لم يبحث عنها في كتب القوم، مستقلّة ومبسوطة علىحسب ما تفحّصت في هذه المسألة، فطبعاً يكون من اللاّزم البحث عن جميع أبعادها وما يمكن أن يقال في اعتبارها، وما يتوهّم في عدم اعتبارها . وقبل الورود في البحث لابدّ من ذكر مقدّمة، وهي: أنّهم قداختلفوافي اعتباراللفظ الخاصّ،أومطلق اللفظ في العقوداللازمةوعدمه . فقال العلاّمة: لابدّ في العقد من اللفظ، ولا يكفي الإشارة، ولا الكتابة مع القدرةوإن كان غائباً(1) . فإنّه صريح في عدم اعتبار الكتابة والإشارة مع القدرة على التلفّظ . وتبعه ولده فخر المحقّقين فقال: إنّ كلّ عقد لازم ، وضع الشارع له صيغة مخصوصة بالاستقراء(2) . وقال الشهيد الثاني: يجب الاقتصار في العقود اللازمة على الألفاظ المنقولة شرعاً، المعهودة لغةً(3) . بل قد ادّعى السيّد ابن زهرة(4) الإجماع على عدم كفاية غير اللفظ فيما إذا كان قادراً على التلفّظ . وذهب الشيخ الأعظم الأنصاري إلى اعتبار اللفظ، فقال: إنّ اعتبار اللفظ في البيع، بل في جميع العقود ممّا نقل عليه الإجماع، وتحقّق فيه الشهرة العظيمة مع الإشارة إليه في بعض النصوص(5) . (1) تحرير الأحكام الشرعيّة 2: 275. (2) إيضاح الفوائد 3 : 12 . (3) مسالك الأفهام 5 : 172. (4) غنية النزوع : 214. (5) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 3 : 117. والمراد من بعض النصوص حديث: «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» وسيأتي البحث فيه في ص105 . صفحه 102 ثمّ اعلم أنّه لو قلنا باعتبار اللفظ في إنشاء العقود والإيقاعات، فلا مجال للبحث عن حجّية الكتابة فيهما، وتجري مسألة الكتابة في غيرهما، فالبحث عن حجّية الكتابة فيهما إنّما هو بعد الفراغ عن عدم خصوصيّة اللفظ . وقال العاملي في مفتاح الكرامة: وأمّا الكتابة، فكالإشارة، كما في التحرير(1) وغيره(2). وفي نهاية الإحكام: لاتنعقد بالكتابة; سواء كان المشتري حاضراً أو غائباً . نعم ، لو عجز عن النطق وكتبا أو أحدهما، وانضمّ إليه قرينة إشارة دالّة على الرضا صحّ(3). ونحوه قوله في الدروس: ولا الكتابة حاضراً كان أو غائباً، وتكفي لو تعذّر النطق مع الأمارة(4)، وفي التذكرة: لا تكفي الكتابة لإمكان العبث(5) (6). والمستفاد من هذه العبارات عدم اعتبار غير اللفظ ، بل قد عرفت ادّعاء الإجماع من البعض على ذلك . وأوّل من خالفهم في ذلك فيمن أعلم المحقّق النراقي في المستند; فإنّه قال: قد ظهر ممّا ذكرنا أنّه تكفي الإشارة المفهمة للنقل بعنوان البيع إذا أفادت القطع، وكذا الكتابة; سواء تيسّر التكلّم أو تعذّر . وأمّا على المشهور، فلا يكفي على الأوّل ، وأمّا على الثاني، كالأخرس فصرّحوا بالكفاية، ووجهه عند من يعمّم البيع ويثبت اشتراط الصيغة بالإجماع ظاهر، ولكنّه لم يظهر وجهه عند من يخصّص البيع بما كان مع الصيغة، أو يقول بعدم (1) تحرير الأحكام الشرعيّة 2: 275. (2) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 145. (3) نهاية الإحكام في معرفة الأحكام 2 : 450. (4) الدروس الشرعيّة 3: 192. (5) تذكرة الفقهاء 10: 9. (6) مفتاح الكرامة 12: 525. صفحه 103 دلالة الإشارة على النقل، إلاّ أن يدّعي الإجماع على عدم الاشتراط حينئذ. والقول بأنّها تدلّ ظنّاً، فيكتفى بها عند عدم إمكان العلم، مردود بعدم دليل على قيام الظنّ مقام العلم عند تعذّره مطلقاً، سيّما مع إمكان التوكيل، واحتياجه إلى الصيغة عند المشهور ممنوع; لعدم كونه من العقود اللازمة. وأصالة عدم وجوبه مندفعة بأنّها إنّما تكون لو أردنا الوجوب الشرعيّ، وأمّا الشرطي كما هو المقصود، فلا معنى لأصالة عدمه، بل هو مقتضى الأصل(1) . وقال في موضع آخر من كتابه: إذا عرفت حصول نقل الملك عن البائع، وحصول التملّك للمشتري بحصول البيع العرفي مطلقاً ، فلزوم ذلك هل يتوقّف على صيغة خاصّة، أو على مطلق اللفظ أو يحصل بحصول البيع عرفاً ولو بالمعاطاة أو مثلها؟ المشهور هو الأوّل، بل كادأن يكون إجماعاً، كما في الروضة(2) والمسالك في موضعين(3) ، بل ظاهر الأخير، كصريح الغنية(4) انعقاده، ونقل في المسالك الثاني عن بعض معاصريه، والثالث ظاهر المفيد(5) وجمع من المتأخِّرين(6)، وهو الحقّ . ثمّ استدلّ على مختاره بأدلّة ثلاثة(7)، فراجع . واستدلّ المشهور بوجوه كلّها مخدوشة: الوجه الأوّل: الإجماع المنقول، كما ادّعاه السيّد ابن زهرة . (1) مستند الشيعة 14: 258. (2) الروضة البهيّة 3 : 222. (3) مسالك الأفهام 3 : 147. (4) غنية النزوع: 214. (5) المقنعة: 591. (6) منهم : السبزواري في كفاية الفقه،المشتهر بـ «كفاية الأحكام»1:448،والكاشاني في مفاتيح الشرائع3 : 48. (7) مستند الشيعة 14 : 253 ـ 254. صفحه 104 وفيه: مع المنع من حجّيته ، لا مجال للاستدلال به فيما نحن فيه; لوجود الروايات المعتبرة التي هي مستندة للحكم، فالإجماع مدركيّ، مضافاً إلى عدم تعرّض جمع لاختصاص العقود بالألفاظ، فكيف يتحقّق الإجماع ؟ الوجه الثاني: التمسّك بأصالة عدم الملك، أو الانتقال فيما إذا تحقّق البيع بغير اللفظ(1) . وفيه: إنّا سنقيم أدلّة على اعتبار غير اللفظ، ومع إقامة الدليل لا وجه للتمسّك بالأُصول . الوجه الثالث: أنّ اللزوم في البيع إنّما يتحقّق بتحقّق ما يدلّ على نقل الملك به; أي إنشائه صريحاً، والدالّ صريحاً على ذلك منحصر في الصيغة المخصوصة(2) . وأجاب عنه المحقّق النراقي بأنّه إن أُريد بالدالّ صريحاً ، الدالّ بحسب الوضع الحقيقي، فمع تحكّم التخصيص ليست الصيغة المخصوصة أيضاً كذلك، وإن أُريد مطلقاً فالانحصار ممنوع(3) . والأولى في الجواب أن يقال: إنّه لا شكّ في أنّ اللفظ من الدوالّ الصريحة، ولكنّ البحث والنزاع إنّما هو في الكبرى; وهي: أنّه هل اللازم وجود الدالّ الصريح أم لا، بل يكفي كلّ ما يدلّ على المقصود عرفاً ولو بالكناية والمجاز والكتابة ؟ فهذا الدليل مصادرة على المطلوب . الوجه الرابع: بعض الظواهر والأحاديث الدالّة على اعتبار اللفظ، كما ورد في الحديث: الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا ، قال: أليس إن شاء (1) مسالك الأفهام 3 : 147. (2) جامع المقاصد 4 : 57، مستند الشيعة 14 : 255. (3) مستند الشيعة 14: 257. صفحه 105 أخذ وإن شاء ترك؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به، إنّما يحلّل الكلام ويحرّمالكلام(1) . والشيخ الأنصاري بعد أن احتمل وجوهاً في معنى الحديث قال: فلا يخلو الرواية عن إشعار أو ظهور(2) . والمراد الظهور أو الإشعار على اعتبار اللفظ والكلام في المحلّلية والمحرّمية . ولا يخفى أنّ الاستدلال يتوقّف على أن يراد بالكلام في الموردين ، اللفظالدالّ على التحريم والتحليل; بمعنى أنّ تحريم شيء وتحليله لا يكون إلاّ بالنطقبهما ، فلا يتحقّق بالقصد المجرّد عن الكلام، ولا بغيره من أنواع الدلالات غير اللفظية . ويرد عليه أوّلاً: أنّ هذا المعنى مستلزم لتخصيص الأكثر; لعدم انحصار التحليل والتحريم في كثير من الموارد باللفظ . وثانياً: أنّ هذا المعنى غير مرتبط بالسؤال الوارد في الحديث مع كون العبارة تعليلاً له; فإنّ مورد السؤال هو: أنّ السمسار يشتري ثوباً لشخص الآمر وهوإن شاء أخذ وإن لم يشأ لم يأخذ ، وبعبارة أُخرى: لم يوجب شراء المتاع من مالكه على الشخص الآمر، ولا دخل لاشتراط النطق بهذا الحكم . وقال النراقي ردّاً على الاستدلال بأنّه ليس ظاهراً في مطلوبهم، بل لا محتملاً له; لأنّه لا يلائم جعل قوله (عليه السلام) : «إنّما يحرّم» تعليلاً لسابقه ، بل المراد أنّه إن كان بحيث إن شاء أخذ وإن شاء ترك، ولم يقل ما يوجب البيع لا بأس، وإلاّ ففيه بأس; لأنّه يحرّم ويحلّل بكلام، فإن أوجب البيع يحرّم، وإلاّ فيحلّ(3) . (1) الكافي 5: 201 ح6، تهذيب الأحكام 7: 50 ح216، وعنهما وسائل الشيعة 18: 50، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود ب8 ح4. (2) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 3: 64 . (3) مستند الشيعة 14: 257. صفحه 106 فظهر من جميع ذلك عدم تمامية مستند المشهور، فلا دليل على خصوصيّة اللفظ، فضلاً عن اللفظ الخاصّ في العقود والإيقاعات، إلاّ في الموارد التي دلّت النصوص على اعتبار اللفظ كالطلاق . ثمّ إنّه بعد ذلك يقع البحث في أنّه بعد عدم الخصوصيّة للّفظ، فهل الكتابة أيضاً معتبرة أم لا؟ ولنذكر أوّلاً كلمات الفقهاء . فاعلم أنّهم قد تعرّضوا لذلك في بعض الأبواب كالطلاق، والوصيّة والعتق ، ونحن نشير إلى بعض المواضع المبحوثة عن الكتابة في الأبواب المختلفة الفقهيّة: 1 ـ وقوع الطلاق بالكتابة وعدمه اختلفوا في أنّ الطلاق هل يقع بالكتابة أم لا؟ وعلى تقدير وقوعه بها، هل هو مختصّ بصورة الاضطرار والعجز عن النطق؟ وهل هو مختصّ بصورة غيبة الزوج أم لا؟ فذهب الشيخ في الخلاف إلى عدم وقوع الطلاق بالكتابة مع قصده لها، فقال: إذا كتب بطلاق زوجته ولم يقصد بذلك الطلاق، لا يقع بلا خلاف، وإن قصد به الطلاق فعندنا أنّه لا يقع به شيء ، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يقع على كلّ حال، وبه قال أبو حنيفة . والآخر: أنّه لا يقع; وهو مثل ما قلناه. دليلنا إجماع الفرقة، وأيضاً الأصل بقاء العقد، ولا دليل على وقوع الطلاق بالكتابة(1) . وهذه العبارة مطلقة; من دون فرق بين صورة العجز عن التلفّظ، وعدمه . وذهب في المسبوط إلى أنّ الطلاق لا يقع بها إذا كان قادراً على التلفّظ، فقال: (1) الخلاف 4: 469 مسألة 29. صفحه 107 إذا كتب بطلاقها ولا يتلفّظ ولا ينويه، فلا يقع به شيء بلا خلاف، وإذا تلفّظ به وكتبه وقع باللفظ، فإذا كتب ونوى ولم يتلفّظ به، فعندنا لا يقع به شيء إذا كان قادراً على اللفظ، فإن لم يكن قادراً وقع واحدة إذا نواها لا أكثر منه، ولهم فيه قولان: أحدهما: يقع، والثاني: أنّه لا يقع . وروى أصحابنا أنّه إن كان مع الغيبة فإنّه يقع، وإن كان مع الحضور فلا يقع(1) . وكلامه في هذه العبارة مقيّد بصورة القدرة على التكلّم ، وأمّا مع العجز فهي معتبرة ، وأيضاً يستفاد من ظاهر العبارة التفصيل بين الحضور والغيبة في الطلاق ; لأنّه نقل كلام الأصحاب من دون ردٍّ . وقال في النهاية: ولا يقع الطلاق إلاّ باللسان، فإن كتب بيده: أنّه طالق امرأته وهو حاضر ليس بغائب لم يقع الطلاق ، وإن كان غائباً وكتب بخطّه: أنّ فلانة طالق وقع الطلاق ، وإن قال لغيره: اكتب إلى فلانة امرأتي بطلاقها لم يقع الطلاق(2) . وهذا الكلام صريح في التفصيل بين الحضور والغياب في الطلاق . وقال السيّد المرتضى: وممّا انفردت الإماميّة به، أنّ الطلاق لا يقع إلاّ بلفظ واحد; وهو قوله: أنت طالق(3). وقال العلاّمة في شرائط الطلاق: والنطق بالصيغة الصريحة المجرّدة عن الشرط ـ إلى أن قال: ـ ولو كتب العاجز ونوى صحّ(4) . وذهب الشهيد في الروضة إلى عدم وقوع الطلاق بالكتابة; سواء كان الزوج (1) المبسوط 5 : 28. (2) النهاية: 511 . (3) الانتصار: 300. (4) إرشاد الأذهان 2 : 43. صفحه 108 حاضراً، أو غائباً، واستدلّ له بحسنة محمّد بن مسلم، عن الباقر (عليه السلام) : إنّما الطلاقأن يقول: أنتِ طالق(1) . وحسنة زرارة، عنه (عليه السلام) في رجل كتب بطلاق امرأته قال: ليس ذلك بطلاق(2) . وللشيخ قول بوقوعه به للغائب، دون الحاضر(3); لصحيحة أبي حمزة الثمالي، عن الصادق (عليه السلام) : في الغائب لا يكون طلاق حتّى ينطق به لسانه، أو يخطّه بيده وهو يريد به الطلاق(4) . وحُمل على حالة الاضطرار جمعاً(5) . وذهب في المسالك: إلى صحّة وقوع الطلاق بالكتابة إذا كان غائباً; استناداً إلى هذه الصحيحة(6)، وقد ردّه في الجواهر وطعنه بما لا يناسب مقام الشهيد، فقال: فمن الغريب ما في المسالك من الإطناب في ترجيح مضمون الخبر المزبور لمكان صحّة سنده، وكونه مقيّداً، والمعارض له مطلق ، لكن لا عجب بعد أن كان منشأ ذلك اختلال طريقة الاستنباط، كما وقع له، وتسمع مثل ذلك غير مرّة، ونسأل الله العفو لنا وله في أمثال ذلك . ثمّ قال في ردّ الرواية، المعلوم قصوره عن مقاومة ما تقدّم أوّلاً: لموافقة الصحيح المزبور للعامّة، الذين أوقعوا الطلاق بالكتابة، كالكناية; لأنّها أحد الخطابين، وأحد اللسانين المعربين عمّا في الضمير، ونحو ذلك من الاعتبارات التي (1) الكافي 6 : 69 ح1، تهذيب الأحكام 8 : 36 ح108 ، الاستبصار 3: 277 ح983، وعنها وسائل الشيعة 22: 41، كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته وشرائطه ب16 ح30. (2) تأتي في ص109. (3) كما في عبارته المتقدّمة. (4) الكافي 6 : 64 ح1 ، تهذيب الأحكام 8 : 38 ح114، الفقيه 3: 325 ح1572، وعنها وسائل الشيعة 22: 37 ، كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته وشرائطه ب14 ح3. (5) الروضة البهيّة : 6 / 14 . (6) مسالك الأفهام 9: 70 ـ 71. صفحه 109 لاتوافق أُصول الإماميّة(1) . وثانياً: للشذوذ حتّى من القائل به; لعدم اعتباره الكتابة بيده على وجه لايجوز له التوكيل، بل قد سمعت دعوى الإجماع في مقابله; مؤيّداً بالتتبّعلكلمات الأصحاب قديماً وحديثاً ، بل لا يخلو ذيله عن تشويش مّا أيضاً، مضافاً إلى ما سمعته من النصوص، فكيف يحكم بمثله على غيره وإن كان هو مقيّداً والأوّل مطلقاً، إلاّ أنّ من المعلوم اعتبار المقاومة فيه من غير جهتي الإطلاق والتقييد، كما تحرّر في الاُصول، ولا ريب في فقدها(2) . انتهى كلامه . والظاهر أنّ مراده من اعتبار المقاومة عدم كون الخبر شاذّاً، وعدم إعراض المشهور عنه . وقال صاحب الجواهر: وكيف كان، فلا يقع الطلاق بالكتابة من الحاضر وهو قادر على التلفّظ قولاً واحداً; للأصل والنصوص السابقة الحاصرة للطلاق بالقول المخصوص وغيرها، كقوله (عليه السلام) : إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام(3) . مضافاً إلى معلوميّة عدم وقوع الطلاق بالأفعال، بل ربما ادّعي أنّه اسم للألفاظ المخصوصة المؤثِّرة للطلاق. وإلى صحيح زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه، ثمّ بدا له فمحاه، قال: ليس ذلك بطلاق ولا عتاق حتّى يتكلّم به(4). (1) والعجب منه (قدس سره) كيف يقول بأنّ هذه اعتبارات لا توافق أُصول الإماميّة، مع أنّه قد استشهد بهذه التعبيرات في بحث الغيبة، فقال: فيعمّ الحكم كلّ ما يفيدذلك من الكتابة التي هي إحدى اللسانين.جواهرالكلام22:64. (2) جواهر الكلام 32: 63. (3) تقدّم في ص 105. (4) الكافي 6 : 64 ح2، تهذيب الأحكام 8 : 38 ح113، وعنهما وسائل الشيعة 22: 36، كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته وشرائطه ب14 ح2. صفحه 110 ومضمرته قال: سألته عن رجل كتب إلى امرأته بطلاقها، أو كتب بعتق مملوكه ولم ينطق به لسانه؟ قال: ليس بشيء حتّى ينطق به(1) ، من غير فرق في ذلك بين الحاضر والغائب; لإطلاق الأدلّة ،بل في الخلاف والمبسوط الإجماع على ذلك(2)، على أنّ مقتضى قاعدة السببيّة عدم الفرق فيهابين الجميع في العقود والإيقاعات . نعم ، لو عجز عن النطق ولو لعارض في لسانه، فكتب ناوياً به الطلاق صحّبلا خلاف; لما سمعته في الأخرس نصّاً وفتوىً(3) . أقول: قد عرفت أنّ الاستدلال بحديث: «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» غير تامّ، وكذلك لا مجال للاستدلال بأصالة عدم الوقوع أيضاً; لوجود الأمارات المعتبرة ، وما ذكره أيضاً من عدم تحقّق الطلاق بالأفعال فكيف بالكتابة، غير صحيح; لما هو ثابت من أقوائيّة الكتابة من الأفعال; فإنّ الإجمال في الأفعال موجود بخلاف الكتابة، اللّهمَّ إلاّ أن يقال: إنّ الاعتماد على الأفعال هو المتعارف في الإنشاء بخلاف الكتابة، وهو كما ترى; لأنّ الإنشاء متقوّم بالقصد، ولا فرق بينهما من جهة أنّ كلاًّ منها محتاج إلى القرينة في ذلك . فالإنصاف عدم دلالة هذه الأدلّة على عدم كفاية الكتابة في الطلاق إلاّ مع العجز عن النطق ، وإنّما الدليل وجود الروايات الخاصّة في المقام ، ومن الواضح أنّ التعدّي عن موردها إلى سائر الموارد غير صحيح . 2 ـ صحّة الوصيّة بالكتابة وعدمها اختلفوا أيضاً في صحّة الوصيّة بالكتابة وعدمها، فذهب الشهيد إلى عدم (1) تهذيب الأحكام 7 : 453 ح1815، وعنه وسائل الشيعة 22: 36، كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته وشرائطه ب14 ح1. (2) الخلاف 4: 469، المبسوط 5: 28. (3) جواهر الكلام 32: 61 ـ 62. صفحه 111 صحّة الوصيّة بالكتابة في حال الاختيار، فقال: وتكفي الإشارة الدالّة على المراد قطعاً في إيجاب الوصيّة مع تعذّر اللفظ لخرس، أو اعتقال لسان بمرض ونحوه ، وكذا تكفي الكتابة كذلك مع القرينة الدالّة قطعاً على قصد الوصيّة بها لا مطلقاً; لأنّها أعمّ، ولا تكفيان مع الاختيار وإن شوهد كاتباً، أو علم خطّه، أو علم الورثة ببعضها خلافاً للشيخ(1) في الأخير(2) . والظاهر أنّ صحّة الوصيّة بالكتابة مع العجز عن النطق والقرينة الدالّة على إرادة الوصيّة منها ليست محلاًّ للخلاف، كما عن التنقيح(3) والعلاّمة(4) وولده(5)والشهيدين(6) والمحقّق الثاني(7) والحلّي(8)، بل عن الإيضاح الإجماع على ذلك(9) . وذهب في الرياض(10) والنافع(11) إلى صحّة الوصيّة بالكتابة مع القرينة القطعيّة حتّى مع الاختيار، كما احتملها في التذكرة(12) في أوّل كلامه . والظاهر أنّ مراد المانعين من صحّة الوصيّة بالكتابة في حال الاختيار ، هو عدم صدق العقد على الوصيّة الكتبيّة، لا عدم إجراء حكم الوصيّة عليها; لوضوح (1) النهاية: 621 ـ 622. (2) الروضة البهيّة 5 : 18 ـ 19 . (3) التنقيح الرائع 2: 364. (4) تحرير الأحكام الشرعيّة 3: 330. (5) إيضاح الفوائد 2: 473. (6) اللمعة الدمشقيّة: 104، الروضة البهيّة 5: 18 ـ 19. (7) جامع المقاصد 10: 20. (8) السرائر 3: 222. (9) إيضاح الفوائد 2: 473. (10) رياض المسائل 9: 433. (11) المختصر النافع: 263. (12) تذكرة الفقهاء 2: 452، الطبعة الحجريّة. صفحه 112 أنّ إطلاق الأدلّة شامل للوصيّة الكتبيّة أيضاً ، وعلى ذلك المعنى حمل صاحب الجواهر(1) كلمات المانعين . ويستفاد من كلماته أنّه اختار صحّة الوصيّة بالكتابة حتّى في حال الاختيار، كما صرّح بصحّة الكتابة في الإقرار، فقال: لا يبعد في النظر الاكتفاء بالكتابة في الإقرار والوصيّة مع ظهور إرادة ذلك منها ، فضلاً عن صورة العلم; ضرورة حجّية ظواهر الأفعال كالأقوال في الجملة(2) . وكيف كان، فالظاهر عدم وجود نصّ خاصّ دالّ على اشتراط النطق في الوصيّة، وإطلاق أدلّة الوصيّة شامل للكتابة أيضاً، مع ما عرفت من أنّها مطابقة للقاعدة الأوّلية، فالكتابة في الوصيّة مع القرينة الدالّة على إرادة الوصيّة معتبرة يجب العمل بها، والله العالم . 3 ـ التحيّة على وجه الكتابة وقد اختلفوا في أنّ التحيّة على وجه الكتابة هل هي موجبة لوجوب ردّها والجواب عليها، أم لا؟ ذهب العلاّمة في التذكرة إلى عدم تحقّق التحيّة بالكتابة وحصرها بالنداء، فقال: لو ناداه من وراء ستر أو حائط وقال: السلام عليكم يافلان، أو كتب كتاباً وسلّم فيه عليه، أو أرسل رسولاً فقال: سلّم على فلان، فبلغه الكتاب والرسالة، قال بعض الشافعيّة: يجب عليه الجواب; والوجه أنّه إن سمع النداء وجب الجواب، وإلاّ فلا(3). وقد استحسنه صاحب الجواهر فقال بعد ذكر هذا الكلام: وهو جيّد; ضرورة (1) جواهر الكلام 28 : 249 . (2) جواهر الكلام 28: 250. (3) تذكرة الفقهاء 9: 22 ـ 23. صفحه 113 عدم صدق التحيّة على الكتابة التي هي النقوش، بل ولا على الرسالة التي هي نقل السلام، لا الاستنابة من الرسول في التحيّة، إذ الثانية لا ريب في أنّها تحيّة، بخلاف الاُولى(1)، انتهى كلامه . ولا يبعد عدم الفرق بين التحيّة على وجه النداء، والتحيّة على وجه الكتابة، كما يظهر من مراجعة اللغة; فإنّها عبارة عن دعاء السلام ونحوه من البرّ، قال في القاموس: التحيّة: السلام من دون تقييد بالقول(2) . وقال في المغرب: حيّاه; بمعنى أحياه تحيّة، كبقّاه; بمعنى أبقاه تبقية، هذا أصلها، ثمّ سمّي ما يحيا به من سلام ونحوه تحيّة(3)، وقيل: يشمل كلّ برّ من القول والفعل، كما يظهر من عليّ بن إبراهيم في تفسيره،حيث قال:السلاموغيره من البرّ(4) ، فظهرعدم اختصاص التحيّة لغةً بالقول . هذا، مضافاً إلى إطلاق الآية الشريفة: { وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} (5)، وأنّ قوله تعالى: «بتحيّة» يشمل جميع أنواع التحيّة من القول والفعل والكتابة ، ويؤيّد ذلك مافي بعض الروايات من أنّ جارية جاءت للحسن (عليه السلام) بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرّة لوجه الله، فقيل له في ذلك ؟ فقال: أدّبنا الله تعالى فقال: { وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} الآية، وكان أحسن منها إعتاقها(6) . ومع ذلك كلّه إنّا لا نطمئنّ بشمول التحيّة للسلام على نحو الكتابة; لاحتمال خصوصيّة المخاطبة في السلام، والأحوط وجوب الردّ فيها . (1) جواهر الكلام 11: 110. (2) القاموس المحيط 4: 350. (3) المغرب في ترتيب المُعرِب: 82 . (4) تفسير القمّي 1: 145، وعنه تفسير الصافي 1 : 441 ، والبرهان في تفسير القرآن 2 : 140 ح2598، وبحار الأنوار 76 : 7 ح27، وج84 : 273، وتفسير كنز الدقائق 2: 555. (5) سورة النساء 4 : 86 . (6) مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4 : 18 ، وعنه بحار الأنوار 43: 343 قطعة من 15 و ج84 : 273. |
|
|||||||||||||||