|
||||||||||||||||
صفحه 130 مجلس القضاء وعدم اعتبار الكتابة، بل لو كانت الكتابة كافية لكانت حجّية شهادة الفرع لغواً . القرينة الثانية: أنّ الفقهاء قد صرّحوا في اليمين بلزوم إقامته في مجلس الحكم كما صرّح به الشهيد الأوّل; فإنّه قال في شرائط اليمين في الشرط الأوّل: إنّ محلّها مجلس الحكم إلاّ مع العذر، كالمريض وغير البرزة(1) . القرينة الثالثة: أنّ الشهادة على طريق الكتابة لا تصدق عليها الأداء، والموجود في كلمات الفقهاء لزوم أداء الشهادة . وقال بعض في تعريف الأداء: أمّا أداء الشهادة، فهو أن يشهد الشاهد بما تحمّله أمام القضاء في مجلس الحكم، وهذا واجب وحتم إذا ما دعاه صاحب الحقّ للأداء(2) . القرينة الرابعة: قد وردت في الروايات الواردة في حجّية البيّنة، التعبير بكلمة «عندك» أو «عندكم» الظاهرة في لزوم حضور الشاهد عند القاضي مثلاً . أ : في رواية عبدالله بن سليمان، عن الصادق (عليه السلام) قال : كلّ شيء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أنّ فيه ميتة(3) . ب : في صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: ... فإن شهد عندكم شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه(4) . ج : الروايات التي وردت في لزوم تصديق المؤمن إذا شهد، نحو: إذا شهد (1) الدروس الشرعيّة 2 : 93. (2) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 273 . (3) الكافي 6 : 339 ح2 ، وعنه وسائل الشيعة 25 : 118 ، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة ب61 ح2 وبحار الأنوار 65 : 156 ح30. (4) تهذيب الأحكام 4 : 157 ح436 ، الاستبصار 2 : 63 ح205 ، المقنعة : 297 ، وعنها وسائل الشيعة 10: 254 ، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان ب3 ح 8 وص 287 ب11 ح40. صفحه 131 عندك المؤمنون فصدّقهم(1) . ومن الواضح: أنّ الشهادة الكتبيّة ليست من مصاديق الشهادة عند الحاكم . لا يقال: إنّ هذا مبنيّ على حجّية مفهوم الوصف، والتحقيق عدمها; لأنّا نقول:إنّهم في هذه الروايات بصدد بيان المفهوم، وهذا ظاهر . القرينة الخامسة: أنّ كلمة الشهادة تدلّ لغةً على اعتبار الحضور، فمعنى شهده أي حضره، وأشهدني الملائكة بمعنى أحضرني الملائكة ، فالإشهاد طلب تحمّل الشهادة بالمعاينة، أو طلب أداء الشهادة عند القاضي . وبعبارة أُخرى: أنّه كما يعتبر في تحمّل الشهادة الحضور والحسّ والمعاينة ، كذلك يعتبر في أدائها، والظاهر عدم الفرق بين معنى الشهادة لغةً، ومعناها شرعاً . مذهب الحنفيّة أنّهم ذكروا في الشرط الرابع من شروط وجوب الأداء في حقوق العباد، قرب مكان الشاهد في مجلس القضاء، بحيث يمكنه أن يؤدّي الشهادة ويرجع إلى أهله في نفس اليوم(2) . ثمّ فرّعوا على ذلك بأنّه بعد تحقّق شروط الشهادة لو أخّرها من دون عذر ظاهر، فهل الشهادة بعد التأخير صحيحة، أم لا؟(3) والظاهر من هذا الكلام اعتبار الحضور في مجلس الحكم، مع أنّ مسألةالكتابة لا تلائم مع تأخير الشهادة; فإنّ التأخير يناسب شرطيّة الحضور فيمجلس القضاء . وقدصرّحوا في شروط العامّة للشاهد، أنّه من شرائط الشاهد النطق، فلاتقبل (1) الكافي 5 : 299 قطعة من ح1، وعنه وسائل الشيعة 19: 83 ، كتاب الوديعة ب6 قطعة من ح1. (2) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 275. (3) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 276. صفحه 132 شهادة الأخرس; لأنّه لا عبارة له، وإشارته مشتبهة وغير قاطعة، ولابدّ في الشهادة أن تكون واضحة جليّة حتّى يصحّ الحكم بها لاُناس على آخرين(1) . أقول: لو كان النطق في قبال خصوص الأخرس، فلا يدلّ على عدم اعتبار الكتابة . وأمّا لو كان النطق في قبال عدم النطق حتّى يشمل الكتابة، فيدلّ على عدم صحّة الكتابة ، ويؤيّد ذلك قولهم بعد هذه العبارة: وأيضاً فإنّ من شروط صحّة الشهادة أو ركنها على الخلاف أن يقول (أشهد)، وهذا لا يتأتّى منه إلاّ إذا كان ناطقاً(2) . وقولهم في بيان شروط مكان الشاهد: يشترط في المكان شرط واحد; وهو أن يكون مجلس القضاء(3) . فاعتبار التنطّق في مجلس القضاء واضح عند الحنفيّة . مذهب الشافعيّة أنّهم أيضاً اعتبروا من شرائط الشاهد ، أن يكون ناطقاً، فلا تقبل شهادة الأخرس وإن فهمت إشارته(4) . وقالوا أيضاً: واختلف أصحابنا في شهادة الأخرس، فمنهم من قال: تقبل ; لأنّ إشارته كعبارة الناطق في نكاحه، وطلاقه، فكذلك في الشهادة، ومنهم من قال: لاتقبل ; لأنّ إشارته أُقيمت مقام العبارة في موضع الضرورة، وهو في النكاح، والطلاق; لأنّها لا تستفاد إلاّ من جهته، ولا ضرورة بنا إلى شهادته; لأنّها تصحّ من غيره بالنطق، فلا تجوز بإشارته(5) . (1) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 280. (2) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 280. (3) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 286. (4) مغني المحتاج: 6 / 388 . (5) المهذّب 5 : 597. صفحه 133 مذهب الزيديّة ذهبوا إلى لزوم أداء الشهادة عند الحاكم، والظاهر من بين المذاهب أنّهم قد صرّحوا بذلك فقط، ولم تصرّح المذاهب الاُخر بذلك، فقالوا: يشترط لصحّة الشهادة أن يكون أداؤها عند حاكم(1)، فلا يصحّ أداؤها إلاّ عند الحاكم المعيّن من قبل من له حقّ تعيينه . ثمّ صرّحوا أيضاً في ضمن الشرائطأن يقول الشاهد بلفظ (أشهد)، والصيغة التي حدّدها الشارع للأداء، فلا تصحّ الشهادة بالرسالة والكتابة; لعدم اللفظ(2) . وقد صرّحوا في موضع آخر: من أنّ حقّ الشهادة أن يأتي بلفظها(3) . فهذه المذاهب الثلاثة يعتبرون النطق والحضور للشهادة . وأمّا مذهب المالكيّة والظاهريّة والحنابلة; فإنّهم لم يذكروا النطق من شرائط الشاهد . وعباراتهم ساكتة عن ذلك . نظريّة الفقه الوضعي قالوا: يجب أن تؤدّى الشهادة شفهاً أمام المحكمة أو القاضي مباشرةً وجهاً لوجه; لأنّه إذا كذب اللسان أو سكت حيث يجب الكلام ; فإنّ هيئة المرء وحالته وطريقة شهادته قد تنمّ عن الحقيقة، أو تساعد على اكتشافها، أو تساعد على تقدير الشهادة(4) . وقالوا أيضاً: يجب أن تؤدّى الشهادة في حضور الخصوم، فسحاً لباب السؤال والمناقشة(5) . (1 ، 2) التاج المُذهّب لأحكام المذهب 4 : 69. (3) التاج المُذهّب لأحكام المذهب 4 : 72. (4) رسالة الإثبات 1 : 548 ـ 549 ، الرقم 379 مكرّر. (5) رسالة الإثبات 1 : 549 ، الرقم 379 مكرّر أ. صفحه 134 وأورد عليهم المحقّق الحائري بأنّ هذه الاُمور في نظر الفقه الإسلامي ليست شروطاً; بمعنى عدم نفوذ شهادة الشاهد بدونها، وهي احتياطات اتّخذها الفقه الوضعي بعد إغفال شرط العدالة، ولكن لا يبعد القول بأنّ من حقّ الحاكم فرض أمر من هذا القبيل أو غيره مقدّمة للحكم; لأجل تقصّي الحقيقة ممّا هو ليس واجباً بحدّ ذاته في نفوذ الحكم(1) . وفيه: أنّه قد عرفت ممّا ذكرنا أنّ حضور الشاهد والنطق في المحكمة من الشروط التي يستفاد من فتاوى الفقهاء خاصّة وعامّة، فراجع . الفرق بين البيّنة والشهادة يمكن أن يقال: إنّ لحجّية الشهادة في الأدلّة تعبيرين: الأوّل: التعبير بلفظ الشهادة، كما ورد في الآية الشريفة: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} (2)، وفي بعض الروايات من هذا القبيل ، وهذا التعبير ـ كما عرفت ـ لا يشمل الكتابة . الثاني: التعبير بلفظ البيّنة، كما ورد في موثّقة مسعدة بن صدقة: والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة(3) . وهي في اللغة بمعنى الحجّة وما به البيان والظهور(4)، وهذا المعنى شامل للكتابة . قال السنهوري: البيّنة لها معنيان: معنى عامّ; وهو الدليل أيّاً كان، كتابة، أو شهادة، أو قرائن ، فإذا قلنا: البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر، فإنّما (1) القضاء في الفقه الإسلامي : 547. (2) سورة البقرة 2 : 282. (3) الكافي 5 : 313 ح40 ، تهذيب الأحكام 7 : 226 ح989 ، وعنهما وسائل الشيعة 17: 89 ، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب4 ح4. (4) المنجد : 57. صفحه 135 نقصد هنا البيّنة بهذا المعنى العامّ. معنى خاصّ; وهو شهادة الشهود دون غيرها من الأدلّة، وقد كانت الشهادة في الماضي هي الدليل الغالب ، وكانت الأدلّة الاُخرى من الندرة إلى حدّ أنّها لا تذكر إلى جانب الشهادة، فانصرف لفظ «البيّنة» إلى الشهادة دون غيرها(1) . ثمّ قال: الأصل في الشهادة أن تكون شهادة مباشرة، فيقول الشاهد: ما وقع تحت بصره أو سمعه ـ إلى أن قال: ـ وتكون الشهادة عادة شفويّة ، يدلي بها الشاهد في مجلس القضاء مستمدّاً إيّاها من ذاكرته . وقد نصّت المادّة «216» من تقنين المرافعات على أن تؤدّي الشهادة شفاهاً، ولا تجوز الاستعانة بمفكّرات مكتوبة إلاّ بإذن المحكمة، أو القاضي المنتدب ... ، ومع ذلك فقد نصّت المادّة «205» من تقنين المرافعات على أنّ «من لا قدرة له على الكلام يؤدّي الشهادة إذا أمكن أن يبيّن مراده بالكتابة أو بالإشارة» . ويدعى الشاهد عادةً إلى مجلس القضاء ليقول ما رآه، أو سمعه من الوقائع المتعلّقة بالدعوى ، ومع ذلك قد يكتفى في ظروف استثنائيّة بتلاوة شهادته المكتوبة(2) . انتهى كلامه . فالمستفاد من كلماته أنّ الكتابة من طرق البيّنة، كما أنّ الشهادة من طرقها ، مضافاً إلى عدم ثبوت حقيقة شرعيّة ولا متشرّعيّة لها، واستعمالها في الكتاب والأخبار بمعناها اللغوي، كقوله ـ تعالى ـ: {قَدْجِئْتُكُم بِبَيِّنَة مِّن رَّبِّكُمْ} (3)، وقيل: قد استعملت في الكتاب في خمسة عشر موضعاً منه بمعناها اللغوي; وهو الظهور والبيان . (1) الوسيط في شرح القانون المدني الجديد 2 : 311. (2) الوسيط في شرح القانون المدني الجديد 2 : 311 ـ 312. (3) سورة الأعراف 7 : 105 . صفحه 136 هذا، ولكنّ الإنصاف أنّ كلمة «البيّنة» في روايات القضاء ظاهرة في خصوص الشهادة بقرينة مقابلتها مع الأيمان، فقول الرسول (صلى الله عليه وآله) : «البيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر»(1) ظاهر في المعنى الاصطلاحي; وهو الشهادة بقرينة المقابلة ، وأيضاً قوله (صلى الله عليه وآله) : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»(2) . مضافاً إلى ما ذكره الوالد المحقّق من أنّه لو كان المراد منها المعنى اللغوي ـ أي الحجّة ـ لكان المنكر أيضاً واجداً للحجّة، ولا يبقى فرق بينه وبين المدّعي، ولا وجه لتقديم المدّعي على المنكر بعد الاشتراك في ثبوت الحجّة لهما (3). فتلخّص من جميع ما ذكرنا في هذا المقام عدم كفاية الكتابة في البيّنة والشهادة وإن أثبتنا اعتبار الكتابة إجمالاً في المقام الأوّل . نعم ، قد تكون سبباً لعلم القاضي، وطريقاً له، وهذا أمرٌ آخر لا ربط له بالبحث . هذا كلّه بعض ما خطر ببالي في هذه المسألة وقد تمّ الفراغ منها في شهر شعبان المعظّم سنة 1416 من الهجرة النبويّة على مهاجرها آلاف التحيّة والثناء والحمد لله ربّ العالمين (1) تفسير القمّي 2 : 156 ، وعنه وسائل الشيعة 27 : 293، كتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب25 ذح3. (2) الكافي 7 : 414 ح1 ، تهذيب الأحكام 6 : 229 ح552، وعنهما وسائل الشيعة 27: 232، كتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب2 ح1. وفي مستدرك الوسائل 17 : 361 ح21583 و ص 366 ح21594 عن دعائم الإسلام 2 : 518 ح1857. (3) القواعد الفقهيّة 1 : 484. صفحه 137 رسالة في حقيقة الوضع وقد ألّفت في سنة 1416 هـ . ق صفحه 138 صفحه 139 بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد في كيفيّة الدلالة وحقيقة الوضع ذهب السيّد الشهيد الصدر (قدس سره) إلى أنّ العلقة الوضعيّة بين اللفظ والمعنى لاتكون أمراً اعتباريّاً صرفاً، بل هي من الاُمور الواقعيّة نشأت عن الاقتران الأكيد بين اللفظ والمعنى، وهو من صغريات قانون الاستجابة الشرطيّة(1). وبما أنّ هذه النظريّة ذات أثر مهمّ في شتّى مباحث الاُصول، فالجدير لوضوح البحث أن نبحث عن حقيقة الوضع والمسالك الموجودة فيها. فقنول: لا يخفى أنّ البحث عن الوضع وأقسامه من المبادئ التصوّريّة اللغويّة لمسائل علم الاُصول، وثمرته إنّما تظهر في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد وعدمه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى . وقبل الورود في البحث لابدّ أن نقول: إنّ هنا أمرين قد وقع الخلط بينهما في كلمات القوم : الأمر الأوّل : في حقيقة الدلالة الموجودة بين الألفاظ والمعاني، وكيفيّة الارتباط الموجود بينهما . (1) بحوث في علم الاُصول 1 : 81 ـ 82 . صفحه 140 الأمر الثاني : في حقيقة الوضع، وأنّه ماذا فعل الواضع، وماذا يتحقّق بفعله، ولايذهب عليك أنّ البحث ليس في مفهوم الوضع بحسب اللغة; فإنّه أمر واضح جدّاً ، بل البحث إنّما هو في حقيقة الوضع، وفي كيفيّة عمليّة الوضع، وهذا من فروع الأمر الأوّل . فاعلم أنّ القوم على أقوال ثلاثة : ذهب جمع ـ ومنهم عبّاد بن سليمان الصيمري(1) ـ إلى أنّ هذه الدلالة أمر واقعيّ ذاتيّ تكوينيّ ، وذهب جمع ـ منهم المحقّق النائيني(2)ـ إلى أنّه الوسط بين الأمر الواقعي والأمر الجعلي الاعتباري ، وذهب المشهور(3) إلى أنّه أمر جعليّ صرف لا يمسّه الواقع التكوينيّ. وهم اختلفوا أيضاً في كيفيّة الاعتبار على أقوال متعدّدة : الأوّل: أنّه عبارة عن جعل الارتباط بين اللفظ والمعنى(4) . الثاني: أنّه عبارة عن جعل اللفظ على المعنى (5). الثالث: أنّه عبارة عن تنزيل اللفظ منزلة المعنى (6). الرابع: أنّه عبارة عن التعهّد (7). هذا مجمل الكلام في ما ذهب إليه القوم. وأمّا تفصيل البحث هو : أنّ القول بكون دلالة اللفظ على المعنى أمراً واقعيّاً ذاتيّاً، يمكن أن يفسّر بأحد الوجوه الثلاثة : الأوّل : أنّ المراد منها كون المعنى من ذاتيّات اللفظ، كما أنّ الزوجيّة من (1) المصحول 1:87 ، تمهيد القواعد : 82 ، قوانين الاُصول 1:194، الفصول الغرويّة: 23، مفاتيح الاُصول:2. (2) أجود التقريرات 1 : 90 . (3) راجع الفصول الغرويّة: 23، ومفاتيح الاُصول: 2. (4) بدائع الأفكار للآملي: 29. (5) نهاية الدراية للاصفهاني 1 : 44 ـ 47. (6) لاحظ شرح الإشارات والتنبيهات 1 : 21 ـ 22 ، ومحاضرات في اُصول الفقه (موسوعة الإمام الخوئي) 1: 43 ـ 44. (7) تشريح الاُصول : 25 ، محاضرات في اُصول الفقه (موسوعة الإمام الخوئي) 1 : 48. صفحه 141 ذاتيّات الأربعة . الثاني : أنّ المراد بالواضع ما لم يهمل المناسبة بين اللفظ والمعنى، كما هو مذهب أهل الاشتقاق; فإنّهم قد ذكروا أنّ الفصم بالفاء لكسر الشيء مع عدم الإبانة(1)، والقصم بالقاف لكسر الشيء مع الإبانة(2); للفرق بين الفاء والقاف في الشدّة والرخاء (3). الثالث : أنّ المراد من الذاتيّة: كون الدلالة بينهما أمراً غير قابل للتغيير والتبديل وإن كان اعتباريّاً، لكن بعد تحقّق الاعتبار وتماميّته لا يتبدّل ولا يتغيّر . وقد استدلّوا بوجهين : الوجه الأوّل : أنّه لو لم تكن الدلالة ناشئة من سنخيّة ذاتيّة بين اللفظ والمعنى لكان كلّ لفظ صالحاً للدلالة على المعنى، واختيار لفظ لمعنى دون لفظ آخر موجب للترجيح بلا مرجّح، وللتخصيص بلا مخصّص، وهو محال (4). ويرد عليه أوّلا : عدم امتناع الترجيح بلا مرجّح، وإنّما المحال هو ما إذا كان بنحو الترجّح بلا مرجّح، هذا بناءً على عدم رجوع الترجيح إلى الترجّح، وإلاّ فهو أيضاً محال . وثانياً : أنّ المرجّح في مقام الوضع والجعل موجود; وهو إرادة الواضع أو سبق اللفظ إلى الذهن . الوجه الثاني : أنّه لو كانت الدلالة أمراً اعتباريّاً لكانت متقوّمة بالاعتبار ووجود المعتبر، وينهدم بانقراضه، مع أنّا نرى بالوجدان بقاء الدلالة في الألفاظ في جميع الأزمنة (5). (1، 2) المصباح المنير 2 : 650 و 695. (3) قوانين الاُصول 1 : 194، مفاتيح الاُصول: 2. (4) المحصول 1 : 89 ، قوانين الاُصول 1 : 194، الفصول الغرويّة: 23، مفاتيح الاُصول: 2. (5) مقالات الاُصول: 62 ـ 64، بدائع الأفكار للآملي: 30، تهذيب الاُصول 1 : 22. صفحه 142 وفيه : أنّ هذا أمر صحيح لا ينكر، وهذا هو الفارق الأساسي بين الاُمور الواقعيّة التكوينيّة; التي لا تتقوّم بوجود جاعل، ولا بفرض فارض، والاُمور الاعتباريّة التي تتقوّم بالمعتبر والفارض، ولكن انهدام المعتبر لا يستلزم انقراض الدلالة; لتبعيّة الباقي عنه في الاعتبار، وتأييدهم لبقاء الدلالة عملا . وبعد إبطال الوجهين نقول : إنّ القول بالذاتيّة باطل جدّاً من حيث الثبوت; لأنّه مضافاً إلى دفعه بوجود الوضع للنقيضين أو الضدّين يقال: إنّ القول بها مدفوع بطريقين : الطريق الأوّل : أنّ الاُمور الواقعيّة على قسمين : الأوّل: الاُمور الخارجيّة التي يكون الخارج ظرفاً لوجودها، وتنقسم إلى الجواهر والأعراض . الثاني: الاُمور النفس الأمريّة التي لها واقعيّة، من دون أن يكون الخارج ظرفاً لوجودها، بل الخارج ظرف لأنفسها، كاستحالة اجتماع النقيضين، والملازمات الواقعيّة بين طلوع الشمس ووجود النهار وأمثالها . ومن الواضح: أنّ العلقة الموجودة بين اللفظ، والمعنى ليست من القسم الأوّل; لعدم كونها من الجواهر، حيث إنّها وجودات لا في موضوع، والدلالة أمر ربطيّ لا وجود لها غير الطرفين، وأيضاً ليست من قبيل الأعراض التي لها وجود في الموضوع; لأنّها موجودة بين طبيعيّ اللفظ وطبيعيّ المعنى، ولا تتوقّف على وجود اللفظ واستعماله، مع أنّه لو كانت من الأعراض لوجب أن تتحقّق بعد وجود اللفظ خارجاً. وهكذا ليست العلقة والدلالة من قبيل الاُمور الواقعيّة النفس الأمريّة; لعدم وجود التبديل والتغيير فيها; فإنّ استحالة اجتماع النقيضين أمر غير قابل للتغيير والتبديل، وهكذا الملازمات العقليّة، مع أنّ الدلالة قد تتغيّر بسبب النقل من المعنى صفحه 143 اللغوي إلى الشرعي أو العرفي . فثبت أنّ العلقة الموجودة بين اللفظ والمعنى ليست من الاُمور الواقعيّة . الطريق الثاني : ما ذكره الوالد المعظَّم في بحثه، وهو: أنّ القول بالذاتيّة لا يخلو عن أربع كلّها مخدوشة (1): الأوّل : أن يكون وجود اللفظ علّة تامّة لوجود المعنى، وهذا مع أنّه لم يقل به أحد ، بديهيّ البطلان أيضاً; لتحقّق المعاني قبل تحقّق الألفاظ، كما هو واضح في أسماء الأعلام . الثاني : أن يكون اللفظ علّة تامّة للانتقال إلى المعنى، وهذا باطل أيضاً; لاستلزام أن يكون كلّ شخص عالماً بالمعنى بمجرّد سماع اللفظ، وهو كما ترى . الثالث : أن يكون اللفظ مقتضياً لوجود المعنى، وهذا أيضاً باطل لنفس ماقلناه في الاحتمال الأوّل . الرابع : أن يكون اللفظ مقتضياً للانتقال إلى المعنى، وهذا مخدوش أيضاً; لوجود الألفاظ الدالّة على ا لضدّين، مع وضوح عدم إمكان الشيء الواحدلأن يكون مقتضياً للضدّين، على أنّ هذا القول مستلزم لوجود التركّب في ذات البارئ تعالى; لتعدّد الأسماء والألفاظ في ذات البارئ ـ تعالى ـ في اللغة الواحدة; لاقتضاء كلّ لفظ جهة خاصّة لا يقتضيها اللفظ الآخر، وهذا موجب للتركّب المحال في ذات البارئ تعالى . ثمّ إنّه يستفاد من كلمات المحقّق العراقي والمحقّق النائيني أنّ الدلالة الموجودة بين اللفظ والمعنى أمر وسط بين الاعتباري والواقعي ، ولابدّ أن نذكر كلامهما مع (1) سيرى كامل در اصول فقه 1 : 200ـ 202، دراسات في علم الاُصول 1 : 75 ـ 77. صفحه 144 المناقشات الواردة عليهما . 1 ـ كلام المحقّق العراقي: ذكر المحقّق المذكور كلاماً طويلا في هذا المقام في مقالاته، واختلف الأعلام فيما يستفاد من كلامه، ولا سيّما أنّ كلامه في هذا المجال مضطرب جدّاً ، ونحن نذكر لُبّ مختاره، وأساس مرامه، فنقول : إنّه بعد أن أنكر الذاتيّة وذهب إلى أنّ العلقة الموجودة بينهما إمّا أن تكون بجعل الجاعل، أو بكثرة الاستعمال، فهي حادثة لا ذاتيّة ، قال ما ملخّصه : أوّلا : أنّ الارتباط بينهما من قبيل ارتباط المرآة مع المرئي ، فكما أنّ الانتقال إلى المرآة عبارة عن نفس الانتقال إلى المرئي، وليس بينهما تغاير، فكذلك الانتقال من اللفظ عين الانتقال إلى المعنى، وهذا هو السبب لسراية صفات المعنى إلى اللفظ وبالعكس، وبهذا البيان يتّضح أنّ دلالة اللفظ ليست من قبيل دلالة الدخان على النار، حيث إنّ الانتقال إلى أحدهما يكون مغايراً مع الانتقال إلى الآخر . وثانياً : أنّ هذه العلقة أمر اعتباريّ من جهة أنّها مجعولة بتوسّط جعل الجاعل، لكن ليست اعتباريّة محضة حتى تزول بتوهّم المعتبر أو غفلته، بل اعتباريّ بمعنى عدم وجود ما بإزاءها في الأعيان ، ومن جهة اُخرى أنّها أمر واقعيّ لتعلّق الالتفات إليها تارة، والغفلة اُخرى ، وأيضاً اعتباريّتها من جهة عدم إيجاد تغيير في اللفظ والمعنى، بخلاف النسب الخارجيّة التي توجب تغييراً في الهيئة الخارجيّة، ومن جهة أنّها بنفسها خارجية ـ لا بوجودها ـ تكون من الاُمور الواقعيّة . وثالثاً : أنّ الاعتبار ليس واسطة في الثبوت بالنسبة إلى هذه الدلالة حتّى يكون علّة لتحقّقها ، بل طريق إلى الواقع، كالقضايا الحقيقة التي يكون فرض وجود الموضوع طريقاً إليها . صفحه 145 ورابعاً : أنّه (قدس سره) قد عبّر عن الدلالة تارةً بالملازمة بين اللفظ والمعنى ، واُخرى باختصاص اللفظ بالمعنى، وثالثة بقالبيّة اللفظ أو مبرزيّته للمعنى، والظاهر أنّ هذه التعبيرات مآلها إلى شيء واحد في نظره الشريف . فنتيجة كلامه أنّ الواضع قد وضع الملازمة الواقعيّة بين طبيعي اللفظ وطبيعي المعنى، ومن هذه الجهة لها موطن ذهنيّ، كما أنّ لها موطن خارجيّ أيضاً بين وجود اللفظ ووجود المعنى، وعدم انحصارها بالذهن دليل على عدم كونها من الاعتباريّات المحضة، والاعتبار ليس علّة لثبوتها، بل طريق إلى الملازمة الواقعيّة. واستدلّ في مجموع كلماته لعدم كونها من الاعتباريات المحضة بأمرين : الأوّل: زوال الاعتبار بنوم المعتبر، أو غفلته . الثاني: أنّا نرى في ما إذا كانت الدلالة معلولة لكثرة الاستعمال بقاءهاوإن اعتبر خلافها، مع أنّ الاُمور الاعتباريّة تزول باعتبار الخلاف(1) . وقد أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّه إن أراد وجود الملازمة مطلقاً حتّىللجاهل بالوضع، فبطلانه من الواضحات; لاستلزام كون سماع اللفظ علّة للانتقال إلى المعنى، ولازمه استحالة الجهل باللغات ، وإن أراد ثبوتها للعالم بالوضع فقط، فيرد عليه: أنّها وإن كانت ثابتة للعالم فقط، إلاّ أنّها ليست بحقيقة الوضع، بل هي متفرّعة عليها; بمعنى أنّها أثر الوضع لا حقيقته، ومحلّ النزاع إنّما هو في تعيين حقيقة الوضع التي تترتّب عليها الملازمة(2) . وفيه ـ مضافاً إلى أنّ القول باختصاص الملازمة للعالم بالوضع مستلزم للدور; لتوقّف الوضع على العلم بالوضع وبالعكس ـ : أنّ الملازمة من جهة العلم بالوضع وعدمه مهملة، وليست بمطلقة ولا مقيّدة، كسائر الملازمات الواقعيّة; فإنّه ليس (1) مقالات الاُصول 1: 59 ـ 63. (2) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 41 ـ 42. صفحه 146 يصحّ أن يقال: هل الملازمة الموجودة في قولنا: «لو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود » مختصّة بالعالم بها، أو الأعمّ منه ومن الجاهل ، بل من هذه الجهة مهملة . والصحيح في الإيراد على المحقّق العراقي أن يقال : إنّ الالتزام بكون الاعتبار يمكن أن يكون طريقاً إلى الواقع ، غير معقول جدّاً، بل الاعتبار في الاُمور الاعتباريّة دائماً يكون من قبيل الواسطة في الثبوت. والدليل على ما ذكرنا لزوم السنخيّة بين العلّة والمعلول; لأنّه لا يمكن أن يكون الاعتبار علّة للأمر الواقعي التكويني . فنحن نسأل عنه أنّ المراد من كون الاعتبار طريقاً إلى الواقع ، هل هو طريق إلى تحقّق الواقع، فيرجع إلى كونه واسطة في الثبوت التي فررتم منها ، أم هو طريق إلى كشف الواقع، فيلزم تحقّق الملازمة قبل تحقّق الوضع، وهو غير مرامكم ومقصودكم؟ فالقول بأنّ الاعتبار طريق إلى الواقع ليس له محصّل . أمّا القياس بين ما نحن فيه، وبين القضايا الحقيقيّة، فهو قياس مع الفارق; لأنّ في القضايا الحقيقيّة يكون فرض وجود الموضوع طريقاً إلى إنشاء حكم كلّي الذي هو من الاُمور الاعتباريّة، بخلاف ما نحن بصدده; لأنّ الادّعاء كون الاعتبار طريقاً إلى الواقع الحقيقي . 2 ـ كلام المحقّق النائيني قد ذهب إلى أنّ الوضع أمر يعتبره الشارع، وهو السبب لتخصيص اللفظ بالمعنى ، وبناءً عليه لا معنى لتقسيم الوضع إلى التعيين والتعيّن، بل منحصر في الأوّل ، وتوضيح ذلك ـ على ما جاء في فوائد الاُصول ـ : أنّه أنكر استناد الوضع إلى البشر بدليلين ، ثمّ أضاف إليهما مبعّدين . أمّا الدليل الأوّل: ـ وهو مرتبط بمقام الثبوت ـ هو: أنّ مع كثرة الألفاظ والمعاني أو عدم تناهيهما، كيف يقدر البشر المتناهي على جعل الألفاظ للمعاني؟ صفحه 147 ومع قطع النظر عن عدم التناهي، فنفس كثرة الألفاظ والمعاني بحيث تكونخارجة عن قدرة البشر كافية لعدم استناد الوضع إلى البشر . وأمّا الدليل الثاني: ـ وهو مرتبط بمقام الإثبات ـ أنّه لو كان الواضع واحداً من أفراد البشر لذكر اسمه في التواريخ ; فإنّ هذا من المسائل المهمّة التي ثبتت عادةً في التاريخ، فمن عدم ذكره في التاريخ نكشف عن عدم وجود واضع بين البشر . وأمّا المبعّدان، فالأوّل منهما: أنّه لو كان الواضع إنساناً، فهل تحقّق الوضع منه دفعةً، أو تحقّق تدريجاً؟ لا سبيل إلى الأوّل; لامتناعه عادةً، والثاني غير قابل للالتزام; لأنّه نسأل عن أنّه قبل الوضع، كيف يفهمون الناس مقاصدهم إلى الآخرين، مع وضوح تحقّق التفهيم والتفهّم بينهم ؟ . أمّا المبعّد الثاني: أنّ الواضع حينما أراد الوضع كيف فعل؟ فهل أنّه قال : وضعت، أو قال : يا أيّها الناس ، مع أنّ الناس لا يقدرون على فهم هذه الكلمات . وبالجملة: لابدّ أن يستند الوضع إلى الله تبارك وتعالى; فإنّه أمر اعتباريّ يعتبره الشارع، لكنّه خلاف سائر الاعتباريات الشرعيّة التي وصلت إلى الناس بطريق الرسل والأنبياء(عليهم السلام) ، بل الشارع يعلّم الناس عن طريق الإلهام، فيلهم إليهم أنّهم حينما أرادوا المائع السائل ، يقولون: «الماء»، فالشارع يخصّص لفظ «الماء» للمعنى المقصود، وهذا التخصيص ناشئ عن علمه ـ تبارك وتعالى ـ بوجود مناسبة ذاتيّة بينهما لئلاّ يلزم الترجيح بلا مرجّح ، فالوضع من ناحية: أمر اعتباريّ يعتبره الشارع، ومن ناحية اُخرى: أمر واقعيّ وهو لحاظ المناسبة الذاتيّة بينهما التي أدركها الشارع فقط(1) ، انتهى ملخّص كلامه مع توضيح منّا. وبهذا البيان يتّضح ضعف ما أورده المحقّق الخوئي عليه; من أنّا لا نتعقّل حقيقة (1) فوائد الاُصول 1 : 30 ـ 31. |
|
|||||||||||||||