|
||||||||||||||||
صفحه 148 ثالثة بين الواقع والجعل، والاُمور لا تخرج من هذين(1) . ووجه الضعف: أنّه لم يرد من هذا الكلام حقيقة ثالثة، بل أراد أنّه من جهة يرتبط بالاعتبار; لأنّ الشارع قد اعتبر، ومن جهة يرتبط بالواقع بلحاظ المناسبة الذاتيّة بينهما . وبهذا التفسير يظهر الضعف أيضاً فيما فسّره بعض أهل النظر; من أنّ المراد من الواسطيّة أنّ الوضع ليس كسائر الاُمور الاعتباريّة الشرعيّة التي تتقدّمه بإبلاغ الرسل، بل أمر اعتباريّ يتحقّق بواسطة الإلهام من الله إلى الناس(2) . ووجه الضعف: أنّه لا يكون بين التبليغ والإلهام فرق من جهة الواقعيّة والاعتباريّة، فتدبّر . ويرد على الدليل الأوّل: أنّه تامّ إذا كان الوضع دفعيّاً من شخص واحد، مع أنّالمشهور(3) يعتقدون بتدريجيّة الوضع من أشخاص بحسب احتياج كلّ شخص أو قوم إلى ما هو المقصود لهم. وبهذا البيان يتّضح ما في الدليل الثاني; فإنّه تامّ إذا كان الواضع شخصاً واحداً . أمّا إذا كانوا متعدّدين فلا وجه لذكرهم في التواريخ . وأمّا مسألة الإلهام، فلا يصحّ الالتزام به; فإنّا نسأل أنّ الله ـ تعالى ـ هل ألهم كلّ الناس بالنسبة إلى لفظ خاصّ، أو ألهم شخصاً خاصّاً؟ كلاهما غير صحيح جدّاً ، أمّا الأوّل; فللزوم عدم جهالة الإنسان بمعنى لفظ من الألفاظ ، وأمّا الثاني; فلأنّه بعد إلهام إليه من الله ـ تعالى ـ فكيف يفهم الآخرين بدلالة هذا اللفظ لذلك المعنى مع عدم إلهامه بالنسبة إليهم . هذا، مضافاً إلى أنّ مسألة الإلهام لو كانت لبيّنت في الكتب السماويّة، مع (1) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 37. (2) منتقى الاُصول 1 : 50. (3) نهاية الأفكار 1 : 24، محاضرات في اُصول الفقه 1 : 38ـ 40، تهذيب الاُصول 1 : 21ـ22. صفحه 149 خلوّها عن هذا . فالنتيجة: أنّه لا مانع من كون البشر واضعاً من حيث الإمكان، بل الاعتبار مساعد له، وكون الواضع هو الله تبارك وتعالى، خصوصاً في الأعلام الشخصيّة ممّا لا يقبله الذوق السليم والفكر المستقيم . نعم، قد استدلّ بعض(1) بكون الله ـ تبارك وتعالى ـ هو الواضع ، ببعض الآيات الشريفة : الآية الاُولى : قوله ـ تعالى ـ : ( وَ مِنْ ءَايَـتِهِ خَلْقُ السَّمَـوَ تِ وَ الاَْرْضِ وَاخْتِلَـفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوَ نِكُمْ) (2) . وجه الاستدلال: أنّ المراد من اختلاف الألسن هو الاختلاف من حيث اللغة، فبعض يتكلّم بالعربيّة، وبعض آخر يتكلّم بالفارسيّة، وهكذا، وليس المراد منهالاختلاف من جهة الأصوات، كما احتمله بعض المفسِّرين(3) . وعلى هذا يكون استناد اختلاف الألسن إليه ـ تعالى ـ وجعله من آياته دليلا على كونه واضعاً للّغات، سيّما اقترانه في الآية مع خلق السماوات والأرض واختلاف الألوان التي هي من الاُمور التكوينيّة ، فجعل الاختلاف في الألسن بينها قرينة على استناده إليه ـ تعالى ـ حتّى من جهة التكوين . وفيه : أنّه لا منافاة بين كون الواضع إنساناً، مع استناد الاختلاف في الألسن إليه تعالى، وبعبارة اُخرى: لا ملازمة بين كون الاختلاف مستنداً إليه تعالى، وبين كون الواضع هو الله تبارك وتعالى، وهذا نظير قوله ـ تعالى ـ : ( عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (4); (1) المحصول 1 : 90 ، الفصول الغروية: 23 ـ 24، مفاتيح الاُصول: 4. (2) سورة الروم 30 : 22 . (3) التبيان في تفسير القرآن 8 : 217، مجمع البيان 8 : 50. (4) سورة الرحمن 55 : 4. صفحه 150 فإنّ البيان يصدر من الإنسان بإرادته، مع أنّه مستند إليه تعالى، فتدبّر . الآية الثانية : قوله ـ تعالى ـ : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الاَْسْمَاءَ كُلَّهَا) (1) . وجه الاستدلال: أنّ كلمة «الأسماء» جمع اسم ، الذي هو دالّ على المسمّى، فلازم تعليم آدم (عليه السلام) وجود الأسماء قبل خلقه (عليه السلام) ; وهو بمعنى وضع الله تبارك وتعالى . وفيه : أنّ المراد من الأسماء ليست الأسماء المتداولة بين الألسن ، بل المراد منها ـ خصوصاً بقرينة رجوع ضمير ذوي العقول في قوله ـ تعالى ـ : ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ) (2) ، وقوله ـ تعالى ـ : ( أَ نبِـُونِى بِأَسْمَآءِ هَـؤُلاَءِ) (3) ، إلى الأسماء ـ الأسماء الخاصّة التي وردت في بعض الروايات(4) . وبالجملة: من الواضح أنّه ليس المراد منها مثلا كلمة «الماء» ونظائرها، خصوصاً مع استعمال الملائكة، واعتراضهم على الله، واستعمالهم الكلمات المتداولة، مع أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يصرّح في هذه الآيات بعدم علم الملائكة بالأسماء . ثمّ إنّه قد ذكر في بعض الكلمات مبعّدات لبشريّة الواضع لا بأس بذكرها : الأوّل : أنّ الإنسان الابتدائي كيف قدر أن يفهم أنّ من طرق إفادةالمقاصد استخدام الألفاظ، ولا يمكن توجيه الاستخدام إلاّ بالإلهام من الله تبارك وتعالى ؟ الثاني : أنّه وإن سلّمنا قدرته على فهم الاستخدام، لكنّه كيف كان قادراً لتفهيم الآخرين؟ وهل للتفهيم استخدم ألفاظاً؟ فنسأل عنها كيف كانوا قادرين على فهمها ؟ الثالث : أنّ حقيقة الوضع البشري طبقاً للمسالك الموجودة عند الاُصوليّين (1 ـ 3) سورة البقرة 2 : 31. (4) التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمّد الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام): 217، تأويل الآيات الظاهرة: 47ـ 48. صفحه 151 ـ كجعل الملازمة أو الهوهويّة أو التعهّد ـ أمر كان خارجاً عن درك البشر الابتدائي والواضع الأوّلي . الرابع : أنّه لو كان الواضع مجموع الموجودين في الزمان الأوّل، بحيث جلسوا واتّفقوا على كون لفظ «الماء» لذاك المعنى الخارجي، لكان هذا بعيداً بحسب حساب الاحتمالات، ولو كان شخصاً واحداً لاتّبعوه القوم، فهذا يناسب كون الواضع رئيساً للقوم، والبقيّة تابع له، مع أنّ هذه الكيفيّة ـ أي تبعيّة القوم لشخص واحد ـ أمر لم يكن في البشر الابتدائي(1) . وبعد هذه المبعّدات نحن نحتمل ـ كما احتمل الشهيد الصدر ـ بل نطمئنّ بأنّ كيفيّة صياغة الدلالة ليست بقول مطلق، ولا مجال لأن نقول: إنّ الواضع هو الله ـ تبارك وتعالى ـ في جميع الألفاظ، وفي جميع المعاني حتّى بالنسبة إلى الأعلام الشخصية والاختراعات الجديدة، ولا أن نقول بأنّ أوّل شخص خلق كآدم على نبيّنا وآله وعليه السلام قد وضع الألفاظ على المعاني، بل لابدّ من التفصيل بهذه الكيفيّة. وهي: أنّ دلالة الألفاظ على المعاني كانت في أوّل الخلقة بين الموجودين بإلهام من الله تبارك وتعالى، سيّما بالنسبة إلى آدم (عليه السلام) وحواره مع حوّاء، سيّما قبل هبوطهما إلى الأرض ، فمن البيّن جدّاً أنّ آدم (عليه السلام) حينما أراد أن يتكلّم مع حوّاء بالنسبة إلى الشجرة المعروفة فألهمه الله ـ تبارك وتعالى ـ ألفاظاً مخصوصة حتّى يستخدمها حين الاحتجاج والتكلّم . ثمّ إنّه بعد مرور الزمان وسعة الاحتياجات قد وضع الإنسان ألفاظاً لمعان تقليداً من الله تبارك وتعالى، كما في سائر الاُمور التقليديّة منه تبارك وتعالى، كصنعة (1) بحوث في علم الاُصول 1 : 85 . صفحه 152 المجسّمة والنقش وغيرهما ، فالإنسان واضع لكن تقليداً من الله تعالى، وخصوصاًفي الأعلام الشخصيّة والاختراعات . أمّا في الاُمور التكوينيّة، كالسماء والأرض وأشباههما، فمن البيّن أن ندّعي أنّ واضعها هو الله تبارك وتعالى، وهذا يظهر بعد وضوح أنّ من جعل لفظ «آدم» له (عليه السلام) ، ومن جعل لفظ «حوّاء» لزوجته (عليها السلام) ، ومن جعل لفظ «النار» و«النور» وأشباههما، هو الله تبارك وتعالى . وهذا التفصيل يقوى بعد عدم إقامة دليل على نفي إلهيّة الوضع بقول مطلق، وأيضاً على نفي بشريّة الوضع بقول مطلق، فكلا القولين لم يكونا دليلا على نفي القول الآخر . إلى هنا قد ثبت بطلان ذاتيّة الدلالة، وأنّ القول بكونها أمراً متوسّطاً بين الذاتيّة والجعليّة غير صحيح أيضاً . نعم، قد اخترنا كون الواضع الأصلي في بدو خلقة البشر هو الله تبارك وتعالى، ثمّ تبعه الناس وقلّدوه في هذا الأمر ، فالإنسان أيضاً واضع في العصور المتأخّرة عن بدو الخلقة . لكن قد وقع الخلاف بين المشهور بناءً على كون الدلالة بين اللفظ والمعنى اعتباريّاً محضاً، وجعليّة صرفة من دون وجود مناسبة بينهما ، في أنّه ما هي حقيقة هذا الاعتبار؟ على أقوال ومسالك : المسلك الأوّل : ذهب المشهور(1) إلى أنّ الدلالة بينهما إنّما هي بالوضع، والمراد منه تخصيص اللفظ بالمعنى ، وعدل عنه المحقّق الخراساني إلى أنّه عبارة عن نحو اختصاص اللفظ بالمعنى(2) ، وجه العدول: أنّ تعريف المشهور غير شامل للوضع التعيّني; لأنّ التعبير (1) المحصول 1 : 83 ، مفاتيح الاُصول: 2، تهذيب الاُصول 1 : 23. (2) كفاية الاُصول: 24. صفحه 153 بالتخصيص ظاهر في استناده إلى الفاعل المعيّن، بخلاف التعبير بكلمة الاختصاص; فإنّها غير ظاهرة في الاستناد إليه، ومع ذلك يرد عليه أمران : الأوّل : أنّه لا يسمن ولا يُغني من جوع، لأنّ التعريف بالشيء المبهم لا يفيدنا شيئاً . نعم، يستفاد من كلمات المحقّق العراقي في مقالاته(1) أنّ المراد من قوله : نحواختصاص ، أنّ الجاعل أراد كون اللفظ قالباً ومبرزاً للمعنى، ومرجع ذلك إلى توجّه الإرادة إلى ثبوت القالبيّة له . الثاني : أنّ الاختصاص عبارة عن أثر الوضع، وليس في حقيقة الوضع ، وبعبارة اُخرى: بعد تحقّق الوضع يصير اللفظ مختصّاً بالمعنى، فعليه: يكون التعريف تعريفاً للوضع بمعنى اسم المصدر، مع أنّا بصدد تعريفه بالمعنى المصدري . المسلك الثاني : وهو التنزيل والهوهويّة الاعتباريّة ، ذهب جمع(2) ـ ومنهم المحقّق البجنوردي(3)ـ إلى أنّ الوضع عبارة عن تنزيل اللفظ منزلة المعنى، فهو وجود تنزيليّ للمعنى، وبهذا يكون متّحداً معه بالاتّحاد الاعتباري ، ولا يخفى أنّه قد غفل بعض عن اتّحاد مسلك التنزيل ومسلك الهوهويّة ، وقال : إنّهما مسلكان في باب الوضع، مع أنّ الدقّة تقتضي بالقول باتّحاد كلا المسلكين; فانّ من يقول بتنزيل اللفظ منزلة المعنى فمراده منه عبارة عن اتّحاد اللفظ والمعنى; كالقائل بالهوهويّة، وهو لا يصل إليها إلاّ بالتنزيل، فلا تغفل . وعلى كلّ حال فالمراد من التنزيل: إنّما هو التنزيل في عالم الاعتبار لا في (1) مقالات الاُصول 1 : 61 و 65 . (2) شرح الإشارات والتنبيهات 1 : 21ـ 22، نهاية الدراية في شرح الكفاية 1 : 7، دراسات في اُصول الفقه 1: 22ـ 24، المباحث في علم الاُصول 1 : 16. (3) منتهى الاُصول 1 : 32 ـ 34. صفحه 154 الخارج، والمراد من الهوهويّة والاتّحاد إنّما هو الاتّحاد اعتباراً لا بحسب الواقع ، فالواضع قد اعتبر الاتّحاد بين اللفظ والمعنى، وجعل اللفظ بمنزلة المعنى، وقد استدلّوا على ذلك بوجهين : الأوّل : أنّ إلقاء اللفظ عبارة عن إلقاء المعنى للمخاطب، فكلّ ما تلقّى لفظاً للمخاطب فإنّما هو تلقّي المعاني، وهذا دليل على الاتّحاد; لأنّه لا معنى لكون الشيء إلقاءً للشيء الآخر فيما إذا كان بينهما تغاير واختلاف . الثاني : أنّ للشيء أنحاء ووجودات أربعة : الأوّل: الوجود الخارجي . الثاني: الوجود الذهني . الثالث: الوجود الكتبي . الرابع: الوجود اللفظي . فجعل الوجود اللفظي أحد أنواع وجود الشيء، فكما أنّ الوجود الذهني ليس مغايراً مع الوجود الخارجي، فكذا الوجود اللفظي . ثمّ إنّهم بعد ذكر الوجهين قد أيّدوا مَرامهم بشيئين : الأوّل : سراية حسن المعنى وقبحه إلى اللفظ، والسراية دليل على الاتّحاد . الثاني : أنّ الوضع مقدّمة للاستعمال، ومن الواضح عدم توجّه المستعمل في مقام الاستعمال إلاّ بالمعنى دون اللفظ، وهذا يقرب الاتّحاد بينهما . وقد نوقش فيه باُمور : الأوّل : أنّ التنزيل يحتاج إلى مصحّح، وهو في التنزيلات الشرعيّة والعرفيّة ـ كقوله (عليه السلام) : الطواف بالبيت صلاة(1) ـ موجود، حيث إنّه بعد التنزيل يترتّب أثر الصلاة أو شرطها على الطواف، فكما أنّ الصلاة محتاجة إلى الطهارة، فكذا الطواف، ولكن المصحّح فيما نحن فيه غير موجود، حيث إنّه لا يعقل ترتيب آثار المعنى للّفظ، (1) عوالي اللئالي 1 : 214 ح70، وعنه مستدرك الوسائل 9 : 410، كتاب الحجّ، أبواب الطواف ب38 ح2. صفحه 155 فما معنى التنزيل والاتّحاد (1)؟ وقد اُجيب عن ذلك بأنّ هنا فرق بين تنزيل شيء منزلة شيء آخر بلحاظ ترتيب الآثار، وبين اعتبار شيء مقام شيء آخر(2) . وفيه : أنّه قد قلنا بعدم وجود الفرق بينهما; فإنّ تنزيل شيء منزلة شيء آخر يورث الاتّحاد الاعتباريّ، كما أنّ اعتبار شيء مقام شيء آخر موجب للاتّحاد الاعتباري . والصحيح في الجواب أن يقال : إنّ المصحّح ليس دائماً بعنوان الأثر الخارجي ، بل المعتبر في التنزيل وجود أثر في المنزّل عليه حتّى يترتّب على المنزّل، وهو موجود هنا، فكما أنّا حين نرى فرداً ما من الماء في الخارج ننتقل إلى الحقيقة الكلّية; يعني طبيعة الماء، فمن لفظ «الماء» أيضاً ننتقل إليها، وهذا كاف في التنزيل . الثاني : أنّ هذا المعنى دقيق جدّاً، وبعيد عن أذهان الواضعين; الذين من جملتهم الأطفال والمجانين، بل الحيوانات ، وهذا الإشكال يجري بالنسبة إلى كثير من المسالك في الوضع(3) . وفيه : أنّه لا منافاة بين كون الشيء رائجاً عند العرف، وبين كون حقيقته من الاُمور الدقيقة التي تحتاج إلى التأمّل والدقّة، ومصداق هذا الأمر كثير جدّاً . الثالث : أنّ ما ذكرتم من كون الشخص في مقام الاستعمال يرى المعنى فقط دون اللفظ ، لا يكون دليلا على الاتّحاد والتنزيل; لأنّه يناسب مع كون اللفظ آلة، مضافاً إلى وجود الفرق بين مقام الوضع والاستعمال; فإنّه لا شكّ في كون الواضع في مقام الوضع لابدّ أن يتصوّر اللفظ مستقلاًّ، كما يتصوّر المعنى كذلك، بخلاف مقام (1) حاشية أجود التقريرات 1 : 18، محاضرات في اُصول الفقه 1 : 44 ـ 45. (2) بحوث في علم الاُصول (مباحث الدليل اللفظي) 1 : 77، منتقى الاُصول 1 : 58 ـ 60. (3) حاشية أجود التقريرات 1 : 18، محاضرات في اُصول الفقه 1 : 44. صفحه 156 الاستعمال; فإنّ تصوّر اللفظ ليس استقلاليّاً، فتدبّر . ومنه يظهر النظر في الدليل الأوّل ، فافهم (1). الرابع : أنّ القول بالتنزيل والهوهويّة لا يناسب الوضع بالمعنى اللغوي(2) . وفيه: وجود المناسبة; لأنّ الوضع بحسب اللغة بمعنى الجعل، وهو يحتاجإلى مجعول، ومن الواضح إمكان أن يكون التنزيل أو الهوهويّة مجعولا بنحو الاعتبار . الخامس : أنّ الهدف الأساسي من الوضع هي الدلالة، ولا شكّ في أنّها تحتاج إلى طرفين: دالّ ومدلول ، فالتنزيل والهوهويّة لا يناسب غرض الوضع، فاعتبار الوحدة بينهما لغو(3) . وفيه : أنّه لا ريب في احتياج نفس التنزيل والهوهويّة إلى الطرفين، ومع عدمهما فما الشيء الذي ينزّل منزلة شيء آخر ؟ ومع عدم وجود الطرفين كيف يمكن أن يدّعى أنّ هذا ذاك . وبعبارة اُخرى: في الشيء الواحد لا يتصوّر التنزيل والهوهويّة . نعم، بعدهما يكونان متّحدين اعتباراً لا وجوداً خارجيّاً، فالدلالة التي تحتاج إلى الطرفين مناسبة لحقيقة الوضع . السادس ـ وهو الإشكال الأساسي ـ : أنّ التنزيل يحتاج إلى ادّعاء وعناية، ومن البديهي عدم تحقّقهما حين الوضع، فهل الوالد الذي يضع اسماً لولده يدّعي أنّ هذا بمنزلة ذاك، أو يدّعي مسامحةً أنّ هذا هو ذاك؟ كلاّ(4) . فتبيّن عدم تماميّة مسلك التنزيل والهوهويّة . (1) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 44 ـ 45. (2) حاشية أجود التقريرات 1 : 18. (3) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 44 ـ 45. (4) سيرى كامل در اُصول فقه 1 : 243 ـ 247. صفحه 157 المسلك الثالث : وهو التعهّد والالتزام النفساني، وقد اختاره المحقّق النهاوندي في تشريح الاُصول(1)، والمحقّق الرشتي في بدائع الأفكار(2)، ثمّ تبعه المحقّق الحائري(3)، واختاره المحقّق الخوئي(4) مع تفصيل وبسط في المقال . وذكر المحقّق العراقي في مقالاته(5) أنّ التعهّد لو كان المراد به قالبيّة اللفظ للمعنى ومبرزيّة اللفظ للمعنى، لكان معنىً صحيحاً . وقال المحقّق الحائري(6) : أنّه لا يعقل إيجاد ارتباط بين أمرين اللذين لا علاقة بينهما، كعدم إمكان إيجاد العلقة بين الإنسان والجدار مثلا، وظاهر كلامه عدم الإمكان حتى بنحو الاعتبار، واللفظ والمعنى من مقولتين مختلفتين، فلا يعقل إيجاد العلقة بينهما، والمعقول التزام الواضع بتفهيم المعاني بسبب الألفاظ، واستعمالها عند إرادة تفهيم المعاني، والمخاطب يلتفت إذا علم بالتزامه وتعهّده . وقد ذكر المحقّق الخوئي أدلّة ثلاثة لما ذهب إليه، ثمّ ذكر ما يترتّب على القول بالتعهّد(7) . أمّا الأدلّة الثلاثة : الدليل الأوّل : الوجدان ، وبيانه: أنّه من الواضح أنّ من وضع اسماً لموجود فإنّما يتعهّد في الحقيقة تفهيم هذا الموجود بسبب هذا اللفظ الخاصّ . (1) تشريح الاُصول: 25. (2) راجع بدائع الأفكار: 34. (3) درر الفوائد : 35 . (4) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 48 ـ 53، حاشية أجود التقريرات 1 : 18 ـ 19. (5) مقالات الاُصول 1 : 65 . (6) درر الفوائد: 35. (7) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 48 ـ 53، حاشية أجود التقريرات 1 : 18 ـ 19. صفحه 158 الدليل الثاني : أنّ القول بالتعهّد يناسب الغرض الأساسيّ من الوضع; فإنّه لاشكّ في كون الغرض منه التفهيم والتفهّم، وهذا لازم ذاتيّ للالتزام والتعهّد . الدليل الثالث : أنّ هذا القول مناسب للوضع بحسب المعنى اللغوي; فإنّه في اللغة عبارة عن الجعل والإقرار، ومنه وضع القوانين التي هي بمعنى الالتزام بها، وبالعمل بها . وأمّا ما يترتّب على القول بالتعهّد فاُمور أربعة : الأمر الأوّل : أنّ كلّ مستعمل واضع; لأنّ من استعمل لفظاً في معنى فقد تعهّد بتفهيم المعنى بسبب اللفظ الخاص، فكلّ مستعمل واضع، ولكن إطلاق الواضع على شخص معيّن إنّما هو باعتبار أسبقيّته من حيث الزمان، لا لأجل أنّه واضع في الحقيقة دون غيره . الأمر الثاني : أنّه بناءً على هذا يصحّ تقسيم الوضع إلى قسمين : التعييني; وهو ما كان التعهّد فيه ابتدائياً غير مسبوق بكثرة الاستعمال ، والتعيّني; وهو ما كان التعهّد فيه مسبوقاً بكثرة الاستعمال . الأمر الثالث : أنّ الدلالة الوضعيّة دلالة تصوريّة على المشهور ، وأمّا بناءً على مسلك التعهّد تكون الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصديقيّة، لكن بالإرادة الاستعماليّة، ففيما لا يكون المعنى مراداً للمستعمل بالإرادة الاستعماليّة، لا تكون الدلالة موجودة، وما يتبادر من الألفاظ حين صدورها عن شخص بلا قصد التفهيم، أو عن شخص بلا شعور، أو عن اصطكاك جسم بجسم آخر، إنّما هو من جهة الاُنس الحاصل بينهما بكثرة الاستعمال أو بغيرها . الأمر الرابع : أنّه بناءً على هذا لا يكون الوضع أمراً اعتبارياً، فليكن هذاخارجاً عن مسلك الاعتبار، بل هو إمّا أمر واقعيّ بما أنّ التعهّد والالتزام النفساني من الاُمور الواقعيّة، أو أمر انتزاعيّ ينتزع من التعهّد، وهو منشأ للانتزاع . صفحه 159 وقد صرّح في حاشية أجود التقريرات : أنّ الارتباط الموجود بين اللفظ والمعنى يكون من توابع الوضع، ومن الاُمور الانتزاعيّة ، ومنشؤها إنّما هو التعهّد(1) . إن قلت : إنّ القول بالتعهّد مستلزم للدور، ولبيان الدور تقريبان : التقريب الأوّل : أنّ الإتيان باللفظ ليس مطلوباً نفسيّاً، والإرادة المتعلّقة به إرادة غيريّة، ومن المسلّم أنّ المتعلّق فيها يلزم أن يكون موجوداً قبل تحقّق الإرادة، ولا يعقل تحقّق الغيريّة بنفس الإرادة; لأنّه مستلزم للدور; لأنّ تعلّق الإرادة المقدّميّة متوقّف على وجود المتعلّق، مع أنّ وجود المتعلّق في المقام يتحقّق بعد التعهّد . وبعبارة اُخرى: يجب قبل التعهّد أن يكون اللفظ مقدّمةً لتفهيم المعنى، مع أنّه يتحقّق هذا بسبب التعهّد، فهذا دور واضح . التقريب الثاني : أنّ التعهد متوقّف على مقدوريّة متعلّقه; وهو التفهيم، مع أنّ القدرة على التفهيم بهذا اللفظ غير موجودة قبل التعهد; لأنّه حسب الفرض تكون قابليّة اللفظ للدلالة على المعنى بحسب التعهّد . قلت : أمّا الجواب عن التقريب الأوّل : إنّ التعهد في مقام الوضع إنّما هو ثابت بين طبيعيّ اللفظ وطبيعيّ المعنى، وهو التعهّد الكلّي، وفي هذا المقام يحتاج إلى تصوّر اللفظ والمعنى فقط . نعم، التعهّد في مقام الاستعمال يتوقّف على الحكم بكون هذا اللفظ موجباً لتفهيم المعنى، ولكن هذا يكون تعهّداً شخصيّاً فرديّاً موجوداً بين الفردين منطبيعيّ اللفظ وطبيعيّ المعنى . فتلخّص أنّ ما يتوقّف على العلم بالوضع إنّما هو (1) حاشية أجود التقريرات 1: 18 ـ 19 . صفحه 160 التعهّد الشخصيّ الثابت في مرحلة الاستعمال، دون التعهّد الكلّي الثابت في مرحلة الوضع، فيرتفع الدور . وأمّا الجواب عن التقريب الثاني: فبأنّه يكفي في صحّة التعهّد القدرة على التفهيم في مرحلة الاستعمال الذي هو ظرف العمل، ولا يلزم حصول القدرة في ظرف الوضع ، انتهى ملخّص القول في التعهّد . وقد اُورد عليه إيرادات بعضها مخدوش، وبعضها متوجّه إليه جدّاً : الإيراد الأوّل : ما ذكره المحقّق النائيني من أنّ القول بالتعهّد ممّا يقطع بخلافه(1)، فادّعى (قدس سره) القطع بخلاف التعهّد; بمعنى أنّا إذا راجعنا وجداننا نرى عدم أثر من التعهّد في حقيقة الوضع . ولا يخفى أنّ المسألة الاختلافيّة لا يمكن فيها دعوى الوجدان على أحد الأقوال فيها. وبهذا يندفع ما ذكره القائل بالتعهّد في الدليل الأوّل من ادّعاء الوجدان على كون الوضع في الحقيقة إنّما هو تعهّد من ناحية الواضع; فإنّ دعوى الوجدان في مثل هذه المسألة الاختلافيّة، غير صحيحة جدّاً . الإيراد الثاني : ما ذكره السيّد الإمام الراحل(2) ـ ردّاً على ما ذكره المحقّق الحائري في درره ـ من عدم تعقّل إيجاد العلاقة بين أمرين اللذين لا علاقة بينهما (3)، وملخّص الردّ: أنّ إيجاد العلاقة التكوينيّة بينهما ممتنع جدّاً . وأمّا إيجاد العلقة الاعتباريّة فمعقول، وهذا متين جدّاً; لأنّ الاعتبار خفيف المؤونة . ثمّ إنّه (قدس سره) أورد إيراداً على القول بالتعهّد; من أنّه عبارة عن الالتزام بالعمل (1) فوائد الاُصول 1 : 30. (2) تهذيب الاُصول 1 : 23، مناهج الوصول 1 : 58. (3) درر الفوائد: 35. صفحه 161 بالوضع، وهذا أمر مترتّب على الوضع ومتفرّع عليه، ولا يكون داخلا في حقيقة الوضع . وفيه : أنّ التعهّد كما أنّه يمكن أن يتعلّق بالعمل فكذلك يمكن أن يتعلّق بشيء آخر كالتفهيم، والقائل بالتعهّد يقول بالثاني، فمتعلّق التعهّد إنّما هو تفهيم طبيعيّ المعنى بطبيعيّ اللفظ، مضافاً إلى أنّ التعهّد بالعمل إنّما هو بالنسبة إلى مقام الاستعمال لا بالنسبة إلى مقام الوضع; فإنّ التعهّد فيه كلّي لا يرتبط بالعمل أصلا، لا ذهناً ولاخارجاً، فتدبّر . الإيراد الثالث : ما يستفاد من كلمات الشهيد الصدر(1); من أنّ التعهّد مستلزم للتعهّد الضمني بعدم الاستعمال المجازي; بمعنى أنّ الّذي يتعهّد بتفهيم المعنى بلفظ خاصّ فإنّما يتعهّد ضمناً بعدم استعمال اللفظ المخصوص في غير تلك المعنى، وهو كما ترى . إن قلت : إنّ التعهّد في مقام الوضع مقيّد بعدم الإتيان بالقرينة، فالتعهّد إنّما في هذه الصورة فقط . قلت : هذا مستلزم للغويّة جريان أصالة الحقيقة . وتوضيح ذلك : أنّ جريانها إنّما هو في مورد الشكّ في وجود القرينة وعدمه، مع أنّه بناءً على أن يكون التعهّد مقيّداً بعدم إتيان القرينة، يصحّ حمل اللفظ على المعنى الحقيقي فيما إذا أحرزنا عدم القرينة، مع أنّ في فرض الإحراز لا نحتاج إلى إجراء الأصل . فهذا الإيراد تامّ جدّاً . الإيراد الرابع : ما ذكره والدنا المعظّم (قدس سره) في مجلس بحثه، وهو : أنّ الذهاب إلى (1) بحوث في علم الاُصول 1 : 79 . صفحه 162 كون كلّ مستعمل واضع خلاف المرتكز العرفي، وهذا يظهر من الرجوع إلى وضعالأعلام الشخصيّة; فإنّه فيها يعيّن الأب لفظاً لولده، والناس يتّبعونه في ذلك من دون صحّة إطلاق الواضع عليهم عرفاً، ومن بطلان اللاّزم ـ أي كون كلّ مستعمل واضع ـ ينتج بطلان الملزوم; أي القول بالتعهّد، فالقول بالتعهّد في الأعلام الشخصيّة بطلانه من الواضحات ، ومن هذا يظهر بطلانه في سائر الألفاظ الكلّيّة; كلفظ «الماء» و«الحيوان» و«الإنسان» وغيرها، ولا يصحّ التفصيل بين الوضع في الأعلام الشخصيّة، والوضع في غيرها(1) . وهذا الإيراد أيضاً متين جدّاً . الإيراد الخامس : أنّ ما ذكروه من المناسبة بين التعهّد، وبين المعنى اللغوي للوضع ممنوع جدّاً; فإنّ الوضع بمعنى الجعل أو الإقرار غير الالتزام بالعمل، ووضع القانون ليس بمعنى الالتزام بالعمل به، بل الالتزام بالعمل وإجراء القانون يحتاج إلى سبب آخر، فهل وضع القوانين الشرعيّة بمعنى التزام الشارع بالعمل بها؟ الإيراد السادس : ذكر بعض لبطلان التعهّد أنّه ليس يصحّ أن يقال: إنّ قولنا : وضعت هذا لهذا، بمعنى تعهّدت هذا لهذا . وفيه : قد قلنا سابقاً: إنّ النزاع ليس في مفهوم الوضع بحسب اللغة، بل النزاع إنّما هو في حقيقة الوضع، فهذا الإيراد غير قابل للذكر أصلا، لكن للتذكّر لمحلّ النزاع ذكرناه، فتدبّر . الإيراد السابع : ما ذكره بعض أهل النظر(2) : من أنّ التعهّد إنّما يصحّ فيما إذا لم يكن الدالّ منحصراً ، أمّا فيما إذا كان منحصراً ـ كما نحن فيه ـ فلا يصحّ . وتوضيح ذلك: أنّ التعهّد إنّما يصحّ في فرض لا ينحصر فيه المفهم للمعنى باللفظ الخاصّ; (1) سيرى كامل در اصول فقه 1 : 256. (2) منتقى الاُصول 1 : 62 ـ 63. صفحه 163 بأن كان هناك دالّ آخر من لفظ أو غيره، فيكون لهذا التعهّد معنى معقول، كما يقع التعهّد باستعمال خصوص هذه الآلة في القرب دون غيرها. أمّا مع انحصاره فيه، بحيث لم يكن للمعنى مفهم أصلا غير هذا اللفظ الذي يحتمل مفهميّته بالتعهّد، كان هذا التعهّد غير معقول . وفيه : أنّه يكفي في صحّة التعهّد بالتفهيم باللفظ الخاصّ ، صلاحيّة بقيّة الألفاظ لأصل المفهميّة، لا المفهميّة الفعليّة بالنسبة إلى المعنى المخصوص . وبعبارة اُخرى : لو لم يكن غير اللفظ المخصوص صالحاً لأصل المفهميّة، بل هي منحصرة ومحدودة باللفظ الخاصّ فقط، لكان التعهّد غير معقول . أمّا إذا كانت الألفاظ الاُخر صالحة لأصل المفهميّة، فالتعهّد باستعمال لفظ خاصّ في مفهميّة المعنى المخصوص يكون أمراً معقولا . الإيراد الثامن : ما ذكره المحقّق الأصبهاني(1) من اتّحاد حيثيّة دلالة اللفظ على معناه، بحيث ينتقل من سماعه إلى معناه مع حيثيّة دلالة سائر الدوالّ; كالعَلَم المنصوب على رأس الفرسخ، مع عدم وجود تعهّد من ناصب العَلَم، بل ليس هناك إلاّ وضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه . وفيه:ماسيأتي من عدم صحّة قياس دلالة اللفظ على دلالة سائرالدوالّ،فانتظر. المسلك الرابع : وهو مسلك الاعتبار الذي ذهب إليه المحقّق الأصبهاني، وتبعه جمع منأعلام المتأخّرين(2)، منهم الوالد المعظَّم (قدس سره) (3) ، وتوضيح كلامه مع تلخيص (1) نهاية الدراية 1 : 47 ـ 48 . (2) لاحظ اُصول الفقه 1 : 19 ـ 20، وحقائق الاُصول 1 : 17ـ 19، وحاشية الكفاية للعلاّمة الطباطبائي: 16ـ18، والمحصول في علم الاُصول 1 : 46ـ 49، وأنوار الاُصول 1 : 33ـ 35. (3) سيرى كامل در اصول فقه 1: 261ـ 272. دراسات في الاُصول 1 : 88 . |
|
|||||||||||||||