|
||||||||||||||||
صفحه 180 وقد مرّ(1) منّا في بيان الإيرادات الواردة على هذا المسلك أنّ القول بكون الارتباط بين اللفظ والمعنى إنّما حصل من القرن الأكيد بينهما، مستلزم لكون الوضع تعيينيّاً دائماً، ولا مجال للوضع التعيّني أصلا ; فإنّ إنشاء الواضع لا يكون موجباً للقرن الأكيد أصلا وإن كان موجباً لأصل الاقتران الاعتباري، لكنّه لا يفيد بنظر القائل بهذا المسلك . وأمّا بناءً على مسلك العلاميّة : فالتقسيم صحيح; لأنّه كما يمكن أن يكون وضع الواضع موجباً لاعتبار كون اللفظ علامة للمعنى، فكذلك كثرة الاستعمال موجبة لكونه علامة للمعنى وإن كانت مستغنية عن الاعتبار . وأمّا بناءً على مسلك جعل الملازمة الذي ذهب إليه المحقّق العراقي(2) فصحيح; لأنّها كما تحصل بجعل الجاعل، فكذلك تحصل بكثرة الاستعمال . وأمّا بناءً على ما ذهب إليه المحقّق النائيني(3) من كون الواضع هو الله تبارك وتعالى، فالأمر واضح من جهة اختصاص الوضع بالتعييني، وعدم المجال للوضع التعيّني . (1) في ص172 ـ 173. (2) مقالات الاُصول 1 : 60 ـ 62. (3) فوائد الاُصول 1: 30. صفحه 181 رسالة في شرطيّة الابتلاء وقد ألّفت في سنة 1415 هـ . ق بمناسبة المؤتمر العالمي صفحه 182 صفحه 183 بسم الله الرحمن الرحيم موضوع البحث : ذهب المشهور(1) إلى وجوب الموافقة القطعيّة في العلم الإجمالي ; وهي تحصل بالاجتناب عن جميع الأطراف ، لكنّ الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) (2) قد اشترط في منجّزيّة العلم الإجمالي كون التكليف فعليّاً بالنسبة إلى جميع الأطراف على تقدير كون الحرام كلّ واحد من الأطراف ، واحترز بهذا الشرط عن اُمور : ثالثها: ما إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء، فلا يجب الاجتناب عن الطرف الآخر الذي هو داخل في محلّ الابتلاء . وهذا البحث ـ أي شرطيّة الابتلاء ـ ممّا اخترعه الشيخ الأعظم ، ولم يسبقه إليه أحدٌ قبله ، كما صرّح به المحشّي التبريزي في كتابه(3) ، وصرّح به أيضاً المحقّق الأشتياني، حيث قال : ثمّ إنّ شرطيّة الابتلاء . . . وإن لم نقف على التصريح به في كلماتهم ، بل المترائى منها في قصر شرائط التكليف ، وحصرها في أربعة عدم (1) فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) 2: 210، بحوث في علم الاُصول 5: 170. (2) فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) 2: 233ـ 234. (3) أوثق الوسائل : 346. صفحه 184 اشتراطه . ومن هنا كان بعض مشايخنا كثيراً ما يطعن على شيخنا الاُستاذ بكونه منفرداً في تأسيس هذا الأصل . ثمّ قال في تأييد هذا المبنى : إلاّ أنّه يجده المنصف المتأمّل المتتبّع; ألا ترى(1)فتوى الفقيه بوجوب تعلّم مسائل الحيض والنفاس مثلاً على العامّي غير المزوّج، وكذا بوجوب تعلّم مسائل الجهاد على العوامّ وهكذا، مع أنّه لا يمتنع عقلاً تحقّق الحاجة إليه بالنسبة إلى هذه المسائل، حاشا ثمّ حاشا ، مع أنّه يجب تعلّمها واستنباطها على المستنبط(2) . وبعد هذا فينبغي لنا أن نبحث عن ذلك الأصل ; فإنّه أصلٌ مهمّ ذو ثمرات متعدّدة في كثير من أبواب الفقه ، ويترتّب عليه فوائد جليلة ، وباب واسع ينحلّ منه الإشكال عمّا علم من عدم وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة في مواقع على حسب اعتقاد الشيخ(3) ; فإنّ هنا أمثلة موجودة من باب الشبهة المحصورة مع عدم وجوب الاحتياط ، بل وجواز المخالفة القطعيّة فيها ، فربما يتوهّم خروجها من حكم الشبهة المحصورة لدليل خاصّ في كلّ مورد مع انتفائه قطعاً ، مضافاً إلى أنّ حرمة المخالفة القطعيّة وقبحها أمر عقليّ لا يقبل التخصيص . ومن هنا ذهب بعض(4) إلى أنّ عدم وجوب الاحتياط في هذه الأمثلة دليل على البرائة في الشبهة المحصورة ، ولكنّ الشيخ (قدس سره) اعتقد أنّ الطريق الصحيح لحلّ هذه الأمثلة ما ذهب إليه من أنّه في جميع هذه الموارد يكون بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء . وإليك بعض الأمثلة التي ذكرها الشيخ وغيره : (1) هكذا في النسخ التي بأيدينا ، والصحيح : أترى، بدل «ألا ترى»، والاستفهام إنكاري . (2) بحر الفوائد 2: 102. (3) فرائد الاُصول 2: 234 ـ 235. (4) مدارك الأحكام 1: 107 ـ 108. صفحه 185 منها : ما إذا علم إجمالاً بوقوع النجاسة في إنائه ، أو في موضع من الأرض التي لا يبتلي بها المكلّف عادةً . ومنها : ما إذا علم إجمالاً بوقوع النجاسة في ثوبه ، أو ثوب غيره الذي لا يكون مورداً لابتلائه ; فإنّ الثوبين من باب الشبهة المحصورة قطعاً ، مع عدم وجوب الاجتناب عن شيء منها، حتّى ثوب نفسه الذي هو طرف للعلم الإجمالي بالنجاسة . ومنها : أنّ زوجة شخص لو شكّت في أنّها هي المطلّقة، أو غيرها من ضرّاتها ، لم يجب عليها الاحتياط ، وجاز لها ترتيب أحكام الزوجيّة على نفسها ، مع أنّ الشبهة محصورة ، لكن غيرها من الضرّات خارجة عن محلّ ابتلائها . نعم ، يجب على الزوج الاجتناب عن الجميع لو شكّ في المطلّقة ، ودار أمرها بين كلّ واحدة من زوجاته . ومنها : ما ذكره المحقّق الآشتياني في حاشيته; وهو وقوع طين السوق في الشتاء ، أو طين الطريق على لباس الشخص أو بدنه مع حصول العلم الإجمالي بنجاسة بعض ما فيها على وجه ينتهي إلى الشبهة المحصورة قطعاً ; فإنّ محلّ ابتلاء المكلّف خصوص ما وقع في لباسه ، أو بدنه . وأمّا الموجود في أرض السوق والطريق ، فهو خارج عن محلّ ابتلائه ، فلا مانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة بالنسبة إلى ما وقع في بدنه ولباسه; فيجوز له الصلاة في تلك الحال من دون إزالة الطين فضلاً عن تطهير البدن . ومنها : ما ذكره أيضاً ; وهو أنّه لو علم الزوج بحيض بعض زوجاته ، مع عدم ابتلاء بعضهنّ به ، كما إذا كانت غائبة عنه ، وأراد الوقاع مع الحاضرة ; فإنّه يجوز له ذلك . ومنها : ما لو علم الزوج بارتداد بعض زوجاته مع غيبة بعضهنّ ; فإنّه يجوز صفحه 186 إجراء الاستصحاب بالنسبة إلى الحاضرة (1). ومن الأمثلة التي لم تُذكر في الكتب لكنّه يصحّ أن يكون مثالاً للبحث ، وهو مهمّ جدّاً ، أنّه إذا فرضنا فرضاً بعيداً أنّ شخصاً قد علم إجمالاً بوقوع التحريف في مجموع القرآن ، فبما أنّ المتشابهات خارجة عن باب الاستدلال; لعدم وجود الظاهر لها ، صحّ التمسّك بالمحكمات . وبعبارة اُخرى: المتشابهات خارجة عن محلّ الابتلاء ، فلذا يكون العلم الإجمالي منجّزاً ، فصحّ التمسّك بالمحكمات التي هي داخلة في محلّ الابتلاء ، إلى غير ذلك من الأمثلة التي يجدها المتتبّع . ووافق الشيخ ـ في هذا الأصل ـ المشهور من المتأخّرين عنه ، منهم: المحقّق الخراساني(2) ، والمحقّق النائيني(3) ، وخالفه جملة من المحقّقين: كالسيّد الإمام الخميني(4) ، والسيّد المحقّق الخوئي (رحمهم الله)(5) . وقبل الورود في البحث يجب التعرّض لاُمور : الأمر الأوّل : أنّ هذا البحث لا ينحصر بمسألة العلم الإجمالي والشبهة المحصورة وإن ذكره الشيخ في هذا المجال; لكن دائرته تشمل جميع التكاليف ، وبعبارة اُخرى: وقع البحث في أنّه هل من شرائط تنجّز التكليف ابتلاء المكلّف بمتعلّقه أم لا؟ الأمر الثاني : في معنى الابتلاء والخروج عن محلّ الابتلاء ، فاعلم أنّه يظهر من بعض الكلمات أنّ المراد من الخروج هو خصوص عدم القدرة العادية للمكلّف فقط; كما يظهر من كلمات المحقّق النائيني في الجواب عن النقض الذي أورد (1) بحر الفوائد 2: 103. (2) كفاية الاُصول : 410. (3) فوائد الاُصول : 50 وما بعدها. (4) معتمد الاُصول 2: 119. (5) مصباح الاُصول (موسوعة الإمام الخوئي) 2: 459 ـ 461. صفحه 187 على الشيخ(1) . ويظهر من المحقّق الحائري(2) أنّ المراد بالخروج أعمّ من أن يكونالفعل غير مقدور للمكلّف عادةً، كما إذا كان في بعض البلاد البعيدة ، أو كان مقدوراً عادةً ، ولكن على نحو يكون بعض الناس معرضاً عنه عادةً ، ويكون دواعيهم مصروفة عنه كذلك ، والميزان استهجان العقلاء للخطاب المتعلّق به . وخلاصة كلامه ترجع إلى أنّ الابتلاء إمّا أن يكون شخصيّاً ، فمقابله أيضاً شخصيّ ، وإمّا أن يكون نوعيّاً ، فمقابله أيضاً نوعيّ ، ونتيجة هذا خروج الأفعال التي كانت منافرة للطبع عن محلّ الابتلاء ، ويظهر هذا المعنى من عبارة الكفاية(3) ، وحاشية الماتن أيضاً . هذا، وقد يظهر من كلام الشيخ الأعظم أنّ المراد خصوص عدم وجود القدرة العادية; سواء كان للمكلّف ، أو لنوع الناس ، ولا يشمل كلامه ما إذا كان الشيء منفوراً عند الناس ; فإنّ الشيخ قد فرّع الخروج عن الابتلاء على عدم تنجّز التكليف ، بينما أنّ تنجّز التكليف فيما إذا كان الشيء منفوراً منه عند الناس واضح ، فحرمة كشف العورة منجّزة وإن كان منفوراً منه عند جميع الناس . وهنا معنىً رابع يستفاد من صحيحة عليّ بن جعفر الآتية(4)، بناءً على التفسير الذي ذكره الشيخ ، وهو: أنّ الخروج عن محلّ الابتلاء ليس منحصراً بعدم وجود القدرة العادية ، بل يشمل عدم الاحتياج إليه ، وعدم كونه مورداً للحاجة فعلاً ، والظاهر أنّ المحقّق الآشتياني(5) يميل إلى هذا المعنى، كما يستفاد من أمثلته للمقام ; (1) فوائد الاُصول 4 : 54 . (2) درر الفوائد : 464. (3) كفاية الاُصول: 410. (4) في ص 191 ـ 192. (5) بحر الفوائد 2 : 103. صفحه 188 فإنّه حكم بأنّ غيبة بعض الأزواج سبب للخروج عن محلّ الابتلاء مع وجود القدرة العادية بالنسبة إليه ، فتدبّر. فتحصّل من جميع ذلك أنّ لنا فروضاً ثلاثة : الفرض الأوّل : كون الشيء خارجاً عن القدرة العادية ، ولا شكّ أنّه داخلٌ في محلّ البحث . الفرض الثاني : كون الشيء داخلاً تحت القدرة العادية ، ولكنّه لا يكون مورداً للحاجة فعلاً، كخارج الإناء الذي يستفاد من صحيحة علي بن جعفر(1); لأنّه خارج عن محلّ الابتلاء بناءً على التفسير الذي ذكره الشيخ ، والظاهر أنّ هذا المورد داخلٌ في محلّ البحث . الفرض الثالث : كون الشيء داخلاً تحت القدرة العادية ، ولكنّه ممّا ينفر الطبع عنه ، ويعرض العقلاء عنه عادةً; والظاهر أنّه ليس داخلاً في محلّ البحث; لاستلزامه عدم منجّزيّة أكثر النواهي ، وهذا بعيد جدّاً . الأمر الثالث : أنّ الخروج عن محلّ الابتلاء إذا كان قبل العلم الإجمالي ، أو مقارناً للعلم الإجمالي، فهو مانع عن تنجّز العلم الإجمالي . وأمّا إذا كان بعد العلم الإجمالي، فهو الاضطرار الطارئ لا يكون مانعاً عن التنجّز(2) . الأمر الرابع : قد وقع البحث في أنّ هذا المطلب هل يرتبط باشتراط الدخول في محلّ الابتلاء في حصّة التكليف، أم لا يرتبط؟ أي أنّنا لو قلنا بأنّ الدخول في محلّ الابتلاء شرط في صحّة التكليف، لوجب أن نذهب إلى عدم منجّزيّة هذا العلم الإجمالي ، وإن أنكرنا اشتراط الدخول، فيجب أن نعتقد بمنجّزيّة هذا العلم الإجمالي، كما هو مذهب السيّد المحقّق الخوئي (قدس سره) .(3) (1) تأتي في ص 191 ـ 192. (2) درر الفوائد للحائري : 464 . (3) مصباح الاُصول (موسوعة الإمام الخوئي) 2: 459 ـ 461. صفحه 189 وقد أنكر الشهيد الصدر (قدس سره) (1) هذا الارتباط فقال : إنّ منجّزيّة هذا العلم الإجمالي لا يرتبط بهذه المسألة أصلاً ، بل حتّى على القول بفعليّة التكليف في موارد الخروج عن محلّ الابتلاء لا يكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً. وقال في توضيح هذا الكلام : إنّ الدخول في محلّ الابتلاء لا يمكن أن يكون دخيلاً في الملاك ; لأنّ هذا الوصف لا يمكن أن يكون محصّصاً إلى حصّتين ، حصّة داخلة في محلّ الابتلاء ، وحصّة خارجة ; إذ فرض وقوعه هو فرض دخوله في محلّ الابتلاء ، والملاك محرز على كلّ حال، وهو كاف في التنجيز . وأيضاً ، اشتراط الخطاب بهذا القيد غير صحيح ; لعدم وجود الاستهجان عند الخروج عن محلّ الابتلاء . وفيه أوّلاً : أنّ قوله (قدس سره) : إنّ منجّزيّة هذا العلم الإجمالي لا يرتبط بهذه المسألة أصلاً ، محلّ تأمّل ; فإنّ الملازمة في جانب الإثبات ممّا لا يقبل الإنكار ، فكلّ من قال بشرطيّة الدخول في محلّ الابتلاء في صحّة التكليف; يجب أن يقول بعدم منجّزيّة هذا العلم الإجمالي، ولعلّ مراده (قدس سره) هذا وإن كانت العبارة تأبى عن ذلك . وثانياً : أنّ نفي الملازمة في جانب النفي إنّما يصحّ بناءً على عدم جريان الأصل الترخيصي في الشيء الخارج عن الابتلاء ، وسنذكر لكم بطلانه في الجواب عن الدليل الثاني الآتي . وثالثاً : سيأتي ـ إن شاء الله ـ في الدليل الأوّل أنّ الخطاب ، أو التكليفوإن لم يكن ملاكه مقيّداًبهذا القيد;لرجوع الابتلاءإلى القدرة العادية ،وهي كالقدرة العقليّة غير دخيلة في الملاك ، إلاّأنّ فعليّة الخطاب وتنجّزه مشروط بهذا القيد . وبعد بيان هذه الاُمور يجب البحث في مقامين : المقام الأوّل : في أنّه هل يكون الابتلاء وإمكانه شرطاً في التكليف ، أم لا؟ (1) بحوث في علم الاُصول 5 : 286 . صفحه 190 وهل يكون شرطاً في ملاك التكليف ، أو يكون شرطاً في الخطاب فعليّاً ، أو تنجّزاً؟ وبعد كونه شرطاً في أصل التكليف، هل يكون أيضاً من شرائط منجّزيّة العلم الإجمالي، أم لا؟ المقام الثاني : في أنّه بعد كونه شرطاً ، إذا شككنا في أنّ الابتلاء هل دائرة مفهومه يشمل الشيء الفلاني، أم لا؟ فما هو المرجع في ذلك؟ هل المرجع إطلاقات أدلّة المحرّمات الواقعيّة، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري(1) وإن تردّد في آخر كلامه، أم المرجع أصالة البراءة عن الخطاب التنجيزي، كما ذهب إليه المحقّق الخراساني؟(2) أمّا المقام الأوّل : فإنّه يستفاد من كلام الشيخ الأعظم(3) أنّ الابتلاء من شرائط منجّزيّة العلم الإجمالي ، كما أنّه من شرائط نفس التكليف ; فإنّه ذهب إلى أنّ من شرائط منجّزيّة العلم الإجمالي أن يكون التكليف في كلّ من طرفيه فعليّاً ، بحيث لو علمنا بالتحريم في كلّ واحد من طرفيه لكان التكليف ثابتاً منجّزاً ، واحترز بهذا الشرط عن اُمور: منها : إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء، وكلامه (قدس سره) وإن كان كلّياً شاملاً لجميع التكاليف أمراً ونهياً; لكنّه يظهر من دليله الأوّل الآتي : أنّ الدخول في محلّ الابتلاء شرط لصحّة النهي ، وسيأتي تفصيل ذلك في تحليل كلمات المحقّق النائيني . واستدلّ على ذلك بأدلّة ثلاثة ـ على ما يستفاد من مجموع كلماته (قدس سره) ـ يختصّ بعضها بشرطيّة الابتلاء في أصل التكليف ، وبعضها الآخر بمنجّزيّة العلم الإجمالي . الدليل الأوّل : أنّ المقصود من النهي حمل المكلّف على الترك ، وهذا مختصّ (1) فرائد الاُصول 2: 237 ـ 238. (2) كفاية الاُصول : 410. (3) فرائد الاُصول 2 : 233. صفحه 191 بمورد الابتلاء ; لأنّ في مورد الخروج عن محلّ الابتلاء يكون الترك حاصلاً بنفس عدم الابتلاء ، ويصير النهي عنه تحصيلاً للحاصل . الدليل الثاني : ـ وهو مختصّ بشرطيّة الابتلاء في منجّزيّة العلم الإجمالي ـ أنّه لا يجري الأصل في الشيء الخارج عن الابتلاء ، وقد ذكر لهذا تقريبان : التقريب الأوّل : ما ذكره الشيخ الأنصاري(1) ، وهو: أنّه في الموارد التي يكون جميع الأطراف مورداً للابتلاء يتحقّق التعارض بين الأصل الترخيصي الجاري في طرف ، مع الأصل الترخيصي الجاري في الطرف الآخر . وبعد التعارض يجب الرجوع إلى التكليف التحريمي الثابت ، ويجب الاحتياط . وأمّا فيما إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء يكون الأصل الجاري في محلّ الابتلاء خالياً عن المعارض ; لعدم وجود الثمرة العمليّة لجريان الأصل في المورد الخارج عن الابتلاء بالنسبة إلى المكلّف، فيكون الأصل لغواً في مقام العمل ، ولا يقع التعارض بينهما ، وعلى هذا يصحّ العمل بالأصل الترخيصي الموجود في محلّ الابتلاء ، ومعنى هذا عدم منجّزيّة العلم الإجمالي . التقريب الثاني : ما ذكره الشهيد الصدر(2) ، وهو: أنّ الملاك في جريان الأصل وجود التزاحم الحفظي بين الأغراض اللزوميّة; والأغراض الترخيصيّة . والعرف والعقلاء لا يرون تزاحماً إذا كان الشيء خارجاً عن محلّ الابتلاء . الدليل الثالث : استهجان الخطاب بترك ما هو خارج عن محلّ الابتلاء ، وقد عبّر المحقّق العراقي(3) بأنّ المكلّف أجنبيّ عن المتعلّق عرفاً . ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري (قدس سره) (4) أيّد مقصوده بما ورد في صحيحة علي بن جعفر، (1) فرائد الاُصول 2 : 235. (2) بحوث في علم الاُصول 5 : 288 . (3) حاشية فوائد الاُصول للمحقّق العراقي 4 : 51 و 52. (4) فرائد الاُصول 2: 236. صفحه 192 عن أخيه (عليه السلام) ، الواردة في من رعف فامتخط، فصار بعض ذلك الدم قطعاً صغاراً ، فأصاب إناءه; هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال (عليه السلام) : إن لم يكن شيئاً يستبين في الماء فلا بأس ، وإن كان شيئاً بيّناً فلا تتوضّأ منه إلخ(1) . وجه التأييد: أنّ ظاهر الإناء وباطنه من مصاديق الشبهة المحصورة . ومع ذلك حكم الإمام (عليه السلام) بعدم وجوب الاجتناب عن الإناء في صورة عدم استبانة شيء في الماء . والسرّ في هذا الحكم أنّ خارج الإناء يكون خارجاً عن محلّالابتلاء . واستدلّ المحقّق النائيني بدليل رابع، وهو : أنّ النهي مشروط بوجود القدرة العادية على الترك زائداً على القدرة العقليّة، بخلاف الأمر ; فإنّه مشروط بالقدرة العقليّة فقط; والمراد من القدرة العادية : تمكّن المكلّف عادةً من نقض العدم ، وفعل المنهيّ عنه . ووجهه استهجان التكليف بترك مالا يقدر عادة على فعله ; لأنّ الترك حاصل بنفسه، بخلاف التكليف بالفعل; لأنّ الأمر بالفعل إنّما يكون لأجل اشتمال الفعل على مصلحة لازمة الاستيفاء في عالم التشريع . ولا يقبح من المولى التكليف بإيجاد ما اشتمل على المصلحة بأيّ وجه أمكن; ولو بتحصيل الأسباب البعيدة الخارجة عن القدرة العادية وإن لم يأمر المولى تفضّلاً ، إلاّ أنّه أمرٌ آخر غير قبح التكليف واستهجانه ، فلا يتوقّف صحّة الأمر بالفعل على أزيد من التمكّن العقلي، بخلاف النهي عن الفعل . فلا يصحّ مع عدم التمكّن العادي من إيجاد المنهيّ عنه; فإنّ النهي مع عدم التمكّن قبيح (2). انتهى ملخّص كلامه . (1) الكافي 3: 74 ح16، تهذيب الأحكام 1: 412 ح1299، الاستبصار 1: 23 ح57، مسائل عليّ بن جعفر (عليه السلام) : 119 ح64، وعنها وسائل الشيعة 1: 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق ب8 ح1. (2) فوائد الاُصول 4: 51 ـ 52. صفحه 193 ومع التأمّل يظهر أنّ روح هذا الكلام يرجع إلى ما أفاده الشيخ(1) في الدليل الأوّل ; من أنّ النهي عن شيء خارج عن محلّ الابتلاء يكون تحصيلاً للحاصل . إلاّ أنّه أضاف شيئاً آخر لم يصرّح به الشيخ وإن كان هو المستفاد من عبارته مع التأمّل; وهو وجود الفرق بين الأمر والنهي ; فإنّ النهي مشروط بالقدرة العادية دون الأمر الذي يكون مشروطاً بالقدرة العقليّة فقط . وأجاب الشهيد الصدر عن الدليل الأوّل بوجوه : الوجه الأوّل : أنّ هذا النهي لا يكون تحصيلاً للحاصل ; لوجود الفائدة له; وهي تمكّن المكلّف من التعبّد بتركه . الوجه الثاني : أنّ تحصيل الحاصل عبارة عن تحصيل أمر في طول حصوله ، وهو المحال . وما نحن فيه ليس كذلك ، وإنّما هو تحصيل في عرض تحصيل آخر . فالمكلّف يوجد له زاجران عن الفعل: أحدهما: الطبع والخروج عن الابتلاء ، والآخر: النهي المولوي . الوجه الثالث : وجود الفرق بين التحصيل التشريعي ، والتحصيل التكويني . فالأوّل: مجعول بسبب الخطاب، بخلاف الثاني ، والمراد من الخطاب هو الحصول التشريعي، بخلاف الحاصل الذي هو حصول تكوينيّ(2) . وهذه الوجوه غير تامّة في نظري القاصر . أمّا الوجه الأوّل : فيمكن الجواب عنه حلاًّ ونقضاً ; فالجواب الحلّي أنّمعنى التعبّد هو الفعل أو الترك لأجل إطاعة المولى . ففي كمون معناه يوجداستناد الفعل أو الترك إلى المتعبّد; وفيما إذا كان الترك حاصلاً لا معنى للتعبّد بالترك ، مضافاً إلى أنّ المقصود من الفائدة المترتّبة على نفس الترك في نظر الشارع ـ مع قطع (1) فرائد الاُصول 2: 234. (2) بحوث في علم الاُصول 5: 288. صفحه 194 النظر عن التعبّد به . والجواب النقضي ـ هو: أنّه لو كان التعبّد بالترك كافياً فيما نحن فيه، لكان التعبّد بالفعل الموجود الحاصل كافياً في صحّة الأمر به ، مع وضوح فساده . وأمّا الوجه الثاني : فإنّ الظاهر عدم الفرق في بطلان تحصيل الحاصل بين كون التحصيل في عرضه ، أو في طوله ; فإنّ تحصيل الشيء الذي هو حاصل محالٌ; على أنّه فيما نحن فيه يكون التحصيل في طول وجود الحاصل ; فإنّ ترك الشيء غير المتبلى به متحقّق سابقاً . وأمّا الوجه الثالث : فإنّ التحصيل التشريعيّ يرجع إلى التعبّد ، وقلنا : إنّه لامعنى للتعبّد بالترك الحاصل . وقد ينتقض الدليل الأوّل بالموارد التي لا ينقدح الداعي للمكلّف إلى فعلها دائماً أو غالباً; كالعذرة ، وكشف العورة بالنسبة إلى صاحب المروءة ; فإنّه بناءً على الدليل الأوّل يلزم عدم صحّة النهي عنها ; لأنّ الترك حاصل مع قطع النظر عن النهي . وأجاب المحقّق النائيني ; بأنّ الفرق موجود بين عدم القدرة عادة على الفعل ، وبين عدم إرادة الفعل عادةً ، فالقدرة قيد في التكليف، بخلاف الإرادة ; فإنّه لا يعقل تقييد التكليف بصورة الإرادة ، وفي هذه الموارد تكون القدرة موجودة; لأنّ بقاء ترك كشف العورة مثلاً مستند إلى المكلّف ، ولا مانع من هذا النهي، بخلاف الخروج عن محلّ الابتلاء ; لأنّ بقاء الترك مستند إلى نفس الخروج، لا إلى إرادة المكلّف، فلايصحّ الخطاب به(1) . فتبيّن من جميع ذلك أنّ الدليل الأوّل تامّ لا يرد عليه شيء من الوجوه (1) فوائد الاُصول 4: 52 ـ 54. صفحه 195 المذكورة . نعم، هنا كلام للمحقّ الخراساني(1) إيراداً على الشيخ الأعظم ; وهو: أنّه لماذا ذهبتم إلى وجود الفرق بين النهي والأمر؟ فكما أنّ القدرة العادية معتبرة في الفعل بالنسبة إلى النواهي ، فكذلك هي معتبرة في الترك بالنسبة إلى الأوامر; لوحدة الملاك; فإذا كان المعلوم بالعلم الإجمالي مردّداً بين مالا يتمكّن المكلّف من تركه ، وبين غيره، لم يكن هذا العلم الإجمالي منجّزاً . وأجاب عنه المحقّق النائيني; بأنّ المطلوب في باب النواهي مجرّد الترك واستمرار العدم ، وفي صورة عدم الابتلاء يكون الترك حاصلاً ، فالخطاب لغو ، بلتحصيل للحاصل ، بخلاف الأوامر ; فإنّ المطلوب فيها إيجاد المصلحة الموجودة في الفعل بأيّ وجه أمكن ، ولو بأسباب بعيدة خارجة عن القدرة العادية، وليس هذا التكليف مستهجناً عند العقلاء ، ولا طلباً للحاصل(2) . وفي هذا الجواب نظر ; لأنّ المحقّق الخراساني لا يدّعي شرطيّة القدرة العادية في الفعل بالنسبة إلى الواجبات; بل يدّعي شرطيّتها في الترك . ويقول : إذا كانت القدرة العادية على الفعل معتبرة في النهي ، فاللازم اعتبار القدرة العادية على الترك في الأمر ، والظاهر تماميّة إيراد الخراساني (قدس سره) على الشيخ الأعظم ، فظهر عدم وجود الفرق بين الأمر والنهي من هذه الجهة . ثمّ إنّ المحقّق العراقي قد ناقش فيما أفاده المحقّق النائيني في أنّ ملاك الاستهجان ليس اعتبار القدرة العادية على الفعل في باب النواهي حتّى يقال بوجود الفرق بين الأمر والنهي; بل الملاك في الاستهجان كون المكلّف أجنبيّاً عن المتعلّق ، بحيث يرى (1) كفاية الاُصول : 410 حاشية (1). (2) فوائد الاُصول 4: 51 ـ 52. صفحه 196 العرف مثل هذا الشخص أجنبيّاً عن الفعل، من دون فرق بين الأمر والنهي(1) . ولكن قلنا قبل أسطر : إنّه مع صحّة الملاك الذي ذهب إليه النائيني ، لا فرق بين الأمر والنهي ، وبعبارة اُخرى : لا ملازمة بين صحّة هذا الملاك ، وبين وجود الفرق بين الأمر والنهي ، على أنّ لنا سؤالاً من المحقّق العراقي ; وهو أنّه ما هو الملاك في كون المكلّف أجنبيّاً؟ فليس له بدٌّ إلاّ الرجوع إلى ما ذهب إليه النائيني . وقلنا سابقاً: إنّ هذا الملاك مستفاد من كلام الشيخ الأعظم ، فراجع(2) . هذا كلّه بالنسبة إلى الدليل الأوّل . وأمّا الدليل الثاني: فالظاهر أنّه غير تامّ بكلا تقريبيه ; لأنّه عين محلّ الخلاف ; يعني : كما أنّ الخلاف واقع في أنّ التكاليف الواقعيّة هل هي مشروطة بابتلاء المكلّف بمتعلّقاتها ، أم لا؟ فكذلك يجري الخلاف في أنّ الأحكام الظاهريّة ـ ومنها الاُصول العمليّة ـ هل هي مشروطة بابتلاء المكلّف ، أم لا؟ فلا يصحّ القول الجزمي بعدم جريان الأصل فيما إذا لم يكن الشيء مورداً للابتلاء . إن قلت : إنّ الغاية من جريان الاُصول العمليّة رفع التحيّر للمكلّف في مقام العمل ، ولا معنى لرفع التحيّر في الشيء الذي لا يكون مورداً للابتلاء . قلت : إنّ رفع التحيّر إنّما يكون في مقابل الحكم الواقعي ; بمعنى أنّ الاُصول العمليّة لا تعطي حكماً واقعيّاً ، وإنّما هي رافعة للتحيّر في مقام العمل . وأمّا الابتلاء، فلا يكون شرطاً ، فربما يجري الأصل العملي في الشيء الذي لا يكون مورداً للحاجة ، فإذا شككنا في طهارة ثوب، فأصالة الطهارة تجري وإن لم يكن الثوب مورداً للحاجة فعلاً . فما ذكره الشهيد الصدر; من أنّ أدلّة الاُصول العمليّة لا تجري في التكليف (1) حاشية فوائد الاُصول للمحقّق العراقي 4 : 51 ـ 52. (2) في ص193. صفحه 197 المحتمل في الطرف الخارج عن محلّ الابتلاء(1) ، محلّ إشكال ، بل منع ; فإنّ قوله (عليه السلام) :«كلّ شيء طاهر . . .»(2) شامل للشيء الذي هو مورد للابتلاء وغيره . وما ذكره أيضاً من أنّ الأصل الترخيصي تعيين للموقف العملي تجاه التزاحم بين الأغراض اللزوميّة والترخيصيّة ـ والعقلاء لا يرون تزاحماً من هذا القبيل بالنسبة إلى الطرف الخارجي عن محلّ الابتلاء(3) ـ غير تامّ; لأنّ هذا التزاحم هو التزاحم الملاكي ، وهو موجود في الواقع حتّى في الشيء الخارج عن الابتلاء ; فإنّه لا أقلّ داخل في دائرة العلم الإجمالي، وليس معدوماً محضاً . وأمّا الدليل الثالث : فالاستهجان مبنيّ على انحلال الخطاب إلى خطابات متعدّدة بتعدّد الأفراد والمكلّفين، كما ذهب إليه المشهور(4) ، وأيضاً مبنيّ على كونالابتلاء شخصيّاً; بمعنى أنّه لو لم يكن الشيء مورداً لابتلاء شخص ، وكان الخطاب منحلاًّ إلى خطابات متعدّدة لكان مستهجناً . وأمّا بناءً على عدم الانحلال وكون الخطاب واحداً ـ وإن كان المخاطب متعدّداً كما ذهب إليه الإمام الخميني (قدس سره) (5) ـ فلا استهجان في الخطاب، إلاّ أن يكون عدم الابتلاء نوعيّاً ، ففي هذه الصورة يكون الخطاب مستهجناً ; لعدم ابتلاء نوع الناس إليه . والاستشهاد بالصحيحة غير جيّد ; لأنّها خارجة عن باب العلم الإجمالي والشبهة المحصورة ; فإنّ السائل قد علم تفصيلاً أنّ الدم قد أصاب الإناء ، ولا يعلم أنّه مع ذلك هل أصاب الماء، أم لا؟ فالإصابة بالنسبة إلى الإناء قطعيّ تفصيلاً ، (1) بحوث في علم الاُصول 5 : 288. (2) المقنع: 15، وعنه مستدرك الوسائل 2: 583، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني ب30 ح2794. (3) بحوث في علم الاُصول 5: 288. (4) محاضرات في الاُصول 2: 14، تهذيب الاُصول 1: 437. (5) تهذيب الاُصول 1: 437. |
|
|||||||||||||||