|
||||||||||||||||
صفحه 198 وبالنسبة إلى الماء مشكوك بالشك البدوي ، فيصحّ الوضوء منه . وإلى هذا المعنى ذهب الشيخ الحرّ العاملي صاحب الوسائل(1) . وبهذا البيان بطل أيضاً ما ذكره الشيخ الطوسي; من عدم انفعال الماء بالأجزاء غير المستبانة من الدم(2) ، فإنّ وجود الدم في الماء ولو صغيراً مشكوك فيه . ومن مجموع ما ذكرنا يظهر أنّ الابتلاء من شرائط تنجّز التكليف، مندون فرق بين الأمر والنهي ، وأنّ الحاكم بشرطيّة الابتلاء مختلف باختلافالأدلّة . فبناءً على الدليل الأوّل يكون الحاكم هو العقل ، وعلى الثالث هو العرف ، فلا يصحّ القول المطلق بأنّ الحاكم بالتقييد هو العرف، كما صرّح به الشيخ الأنصاري (قدس سره) في كلماته ، فراجع (3). بقي هنا إشكال لا يمكن الذبّ عنه ; وهو: أنّه ما هو المستند في الفتوى بوجوب تعلّم خصوص المسائل التي تكون مورداً للابتلاء عند من لا يعتقد بشرطيّة الابتلاء في التكليف؟ وبعبارة اُخرى : من اعتقد أنّه شرط في التكليف كالشيخ، فيصحّ له القول بوجوب تعلّم هذا المقدار من المسائل . أمّا الذين لم يعتقدوا بشرطيّة هذا، فَبِمَ أفتوا بهذه الفتوى؟ ولا فرق في هذا الإشكال بين كون الطريق إلى وجوب التعلّم وجود الروايات الموجودة ، أو وجود العلم الإجمالي بتكاليف واقعيّة . وأمّا المقام الثاني: فهو أنّه بعد إثبات كون الابتلاء شرطاً في صحّة التكليف على حسب تعبير المشهور(4) ، أو شرطاً لجريان الأصل الترخيصي على حسب (1) وسائل الشيعة 1 : 151 . (2) الاستبصار: 1 / 23 ذ ح 12. (3) لاحظ فرائد الاُصول 2: 234. (4) بحوث في علم الاُصول 5: 286. صفحه 199 تعبير الشهيد الصدر (قدس سره) (1)، إذا شككنا في الابتلاء، فهل يجب الاجتناب عنه، إمّا تمسّكاً بالإطلاقات، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري (قدس سره) (2) ، أو تمسّكاً بكون الشكّ فيه شكّاً في المسقط ، كما صرّح به المحقّق النائيني(3) ، أو لا يجب الاجتناب، تمسّكاً بأصالة البراءة عن التكليف المنجّز، كما ذهب إليه المحقّق الخراساني(4) . وقبل الخوض في ذلك لابدّ من ملاحظة أنّه هل الشبهة مفهوميّة، أو موضوعيّة؟ فنقول : لقد صرّح الشيخ الأنصاري بأنّ الشبهة مفهوميّة لا مصداقيّة ، حيث قال : فمرجع المسألة إلى أنّ المطلق المقيّد بقيد مشكوك التحقّق في بعض الموارد; لتعذّر ضبط مفهومه (5). وصرّح المحقّق الحائري أيضاً في الدرر بأنّ الشبهة مفهوميّة ، حيث قال : إذا شككنا في كون الشيء داخلاً في محلّ الابتلاء أو خارجاً عنه لا من جهة الاُمور الخارجيّة ، بل من جهة إجمال ما هو خارج عن موارد التكليف الفعلي(6) إلخ . وقيل(7) : إنّ الشبهة في المقام موضوعيّة . ولذا اعترض على الشيخ بأنّه لا مجال للتمسّك بالإطلاق في الشبهات الموضوعيّة. لكن هذا القول مدفوع بأنّ هذه الشبهة راجعة إلى عدم ضبط المفهوم من ناحية العرف . نعم، يمكن تصويرها بنحو الشبهة المصداقيّة . ببيان أنّ الشيء المعيّن ، (1) بحوث في علم الاُصول 5: 288. (2) فرائد الاُصول 2 : 237 ـ 238. (3) فوائد الاُصول 4 : 55 . (4) كفاية الاُصول : 410. (5) فرائد الاُصول 2: 238. (6) درر الفوائد: 465. (7) كفاية الاُصول: 410، بحوث في علم الاُصول 5: 297. صفحه 200 هل يكون في البلاد البعيدة الخارجة عن القدرة العادية ، أم لا؟ لكن هذا غير محلّ البحث، سيّما بالنسبة إلى كلام الشيخ . تصوير الشبهة المفهوميّة عند المحقّق النائيني ذهب المحقّق النائيني(1) إلى أنّ منشأ الشكّ عبارة عن اختلاف المراتب الموجودة في القدرة العادية ، فبعضها ممّا يقطع بوجود القدرة العادية ، فهو محلّ للابتلاء ، وبعضها الآخر ممّا يقطع بخروجه عن محلّ الابتلاء ، كالخمر الموجود في أقصى بلاد الهند مثلاً ، وقد يحصل الشكّ في وجود القدرة العادية في البعض الثالث ، كالخمر الموجود بين البلاد البعيدة والقريبة . وبعبارة اُخرى: هل دائرة القدرة العادية تشمل البلاد المتوسّطة، أم لا ؟ كقولنا : هل مفهوم الفسق شامل للصغائرأم لا؟ وعلى هذا البيان لا يصحّ إرجاع هذه الشبهة إلى الشبهة المصداقيّة، كما أرجعها الشهيد الصدر(2) ; ببيان أنّ الخارج بالتخصيص عنوان ما يقبّح التكليف به ، ومفهوم القبيح واضح ، والشكّ إنّما هو في مصداقه . والسرّ في عدم صحّة الإرجاع : أنّ البحث إنّما هو في نفس مفهوم الابتلاء ، وأنّه من المفاهيم غير المنضبطة عند العرف والعقل ، وليس البحث في عنوان الخارج ، أو الخروج على حسب تعبيره (قدس سره) ، على أنّ مفهوم القبيح أيضاً غير واضح ; لعدم العلم بشموله بالنسبة إلى التكليف في البلاد المتوسّطة ، فتدبّر. فتصوير الشبهة المفهوميّة بنحو ذهب إليه المحقّق النائيني صحيح ، إلاّ أنّه مبنيّ على ما ذهب إليه من تفسير الابتلاء بالقدرة العادية . (1) فوائد الاُصول 4 : 54 ـ 55. (2) بحوث علم الاُصول 5 : 297 . صفحه 201 أمّا بناءً على تفسيره بكون الشيء ممّا يرغب إليه الناس ، أو تفسيره بكون الشيء ممّا يكون مورداً للحاجة فعلاً ، فالظاهر عدم صحّة كون الشبهة مفهوميّة ، بل هي موضوعيّة دائماً ، فتأمّل . تصوير الشبهة المفهوميّة عند الشهيد الصدر ثمّ إنّ الشهيد الصدر بعد أن ذهب إلى أنّ عدم منجّزيّة العلم الإجمالي يكون بملاك عدم جريان الأصل الترخيصي في الشيء الخارج عن محلّ الابتلاء ، قد صوّر الشبهة المفهوميّة في دائرة هذا الملاك على أنحاء ثلاثة : الأوّل : شكّ العرف نفسه بما هو عرف في الإرتكاز ; أعني ارتكاز عدم جريان الأصل لهذه المرتبة من الخروج عن محلّ الابتلاء ; فإنّه يعقل ذلك بالنسبة للعرف أيضاً ; لكون هذه الاُمور تشكيكيّة . الثاني : شكّ العرف في نكتة الارتكاز ; أي أنّ العرف بما هو عرف لا يشكّ في وقوع التزاحم الحفظي بين الغرض اللزومي حتّى إذا كان في الطرف المشكوك ، وبين الغرض الترخيصي ، ولكن يحتمل أنّ المولى لا يهتمّ بهذا المقدار من التزاحم لضئالته ، فيحتمل أنّ نكتة الارتكاز عند المولى تختلف عن العرف . الثالث : أنّ شخصاً يحتمل ثبوت الارتكاز وعدمه لدى العرف ، وإنّما لايكون واضحاً لديه ; لاحتمال أنّه شذّ عنهم لجهة من الجهات . ثمّ إنّه حكم بعدم جريان الأصل في القسم الأوّل والثالث، بخلافالقسم الثاني ; فإنّه يجري الأصل ، ويتعارض مع الأصل الجاري في محلّالابتلاء(1) . وهذا الكلام قابل للمناقشة; لأنّه ـ مضافاً إلى عدم الفرق الجوهري بين الأوّل (1) بحوث في علم الاُصول 5: 290 ـ 291. صفحه 202 والثالث ، وإلى أنّ القسم الثاني لا يكون من الشبهة المفهوميّة; لأنّ احتمال الاختلاف في نكتة الارتكاز بين العرف والشرع لا يوجب إيجاد الشبهة المفهوميّة في الارتكاز ; فإنّ عدم جريان الأصل مرتكز عند العرف إذا كان التزاحم موجوداً بحسب نظر العرف ، والتزاحم العرفي موجود حسب الفرض في القسم الثاني ـ قد أبطلنا هذا الملاك وقلنا بأنّ الملاك في عدم منجّزيّة هذا العلم الإجمالي ليس ارتكاز عدم جريان الأصل ، بل الملاك شرطيّة الدخول في محلّ الابتلاء في صحّة التكليف . وبعد المناقشة في هذا التصوير يجب تصوير الشبهة المفهوميّة على نحو صوّرها المحقّق النائيني; أي الشكّ في كون دائرة الابتلاء هل يشمل مفهومها عرفاً البلد الفلاني أم لا؟ فبناءً على هذا التصوير قد يقال بعدم التنجيز; للشكّ في فعليّة التكليف على أحد التقديرين ، وعدم العلم بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير ، لكن ذهب جمع إلى وجوب الاجتناب عن المشكوك ، ومنجّزيّة العلم الإجمالي . الاستدلال بعدم خروج المشكوك بوجهين: الوجه الأوّل : ما ذهب إليه المحقّق النائيني; فإنّه بعد أن ذكر أنّ الشكّ في القدرة يستتبع الشكّ في ثبوت التكليف قال : لمكان العلم بالملاك ، وما هو المناط لانقداح الإرادة المولويّة يجري عليه حكم الشكّ في المسقط; لأنّ القدرة بكلا قسميها من العقليّة والعاديّة ليست من الشرائط التي لها دخل في ثبوت الملاكات النفس الأمريّة ، فالملاك محفوظ في كلتا صورتي وجود القدرة وعدمها، والعقل يستقلّ بلزوم رعاية الملاك وعدم تفويته مهما أمكن . غايته: أنّه عند العلم بعدم القدرة على استيفاء الملاك لا يلزم العقل برعاية الملاك ، بخلاف الشكّ فيها ، فإنّ العقل يلزم برعاية الاحتمال تخلّصاً عن الوقوع في صفحه 203 مخالفة الواقع . فالشكّ في المقام ينتج نتيجة الشكّ في المسقط; أي في سقوط الملاك; وهو مجرى الاشتغال لا البراءة (1). انتهى كلامه . وقد تأمّل في آخر كلامه، وأسقط هذا الوجه عن الاعتبار بعد إيراد المحقّق الكاظمي عليه ; بأنّ لازمه وجوب الاجتناب عن أحد طرفي المعلوم بالإجمال مع العلم بخروج الآخر عن مورد الابتلاء ; للعلم بتحقّق الملاك أيضاً في أحد الطرفين ، ولا دخل للابتلاء وعدمه في الملاك ، فلو كان العلم بثبوت الملاك يقتضي وجوب الاجتناب عن أحد الطرفين مع الشكّ في خروج الآخر عن مورد الابتلاء ،فليقتض ذلك أيضاً مع العلم بخروج أحدهما عن مورد الابتلاء . ثمّ إنّ المحقّق العراقي(2) ذهب إلى عدم تماميّة إيراد الكاظمي على اُستاذه وقال : الفرق موجود بين الشكّ في القدرة في مورد وجود المصلحة ، وبين الشكّ في وجود المصلحة في المقدور . والأوّل موضوع حكم العقل بالاحتياط ، والثاني ليس من باب الشكّ في القدرة; بل إمّا مقدور جزماً ، وإمّا غير مقدور جزماً . وإنّما الشكّ في أنّ ظرف المناط أيّما كان ، ومرجعه إلى الشكّ في أصل المناط ، وقال في آخر كلامه : ليس العجب من المتوهّم (الكاظمي) اشتباه الأمر عليه ، وإنّما العجب من اُستاذه كيف قنع بهذا الإشكال؟ فما ذهب إليه النائيني تامّ . الوجه الثاني : ما أفاده الشيخ الأنصاري من التمسّك بإطلاق ما دلّ على حرمة الشيء ، والقدر المتيقّن خروج ما علم منه عدم الابتلاء ، فإنّ الخطاب بالنسبة إليه مستهجن، فبقي الباقي ; أي ما عُلم الابتلاء به ، وما هو مشكوك الابتلاء (3). (1) فوائد الاُصول 4: 55 ـ 57. (2) حاشية فوائد الاُصول للمحقّق العراقي 4 : 56 ـ 57. (3) فرائد الاُصول 2: 237 ـ 238. صفحه 204 والسرّ في ذلك حسب تفسير المحقّق النائيني أنّ التخصيص بالمجمل مفهوماً ـ المردّد بين الأقل والأكثر ـ لا يمنع عن التمسّك بالعامّ فيما عدا القدر المتيقّن من التخصيص وهو الأقل ، والتمسّك بالإطلاق فيما نحن فيه أولى; لأنّ المقيّد لبيّ، والتمسّك فيه بالإطلاق جائز حتّى في الشبهة المصداقيّة، فضلاً عن الشبهة المفهوميّة . ثمّ إنّه منع أوّلاً: من كون هذا القيد من الأحكام العقليّة الضروريّة حتّى ينطبق عليه حكم المخصّص المتّصل الذي يسري إجماله إلى العامّ ، وذهب ثانياً: إلى أنّ سراية إجمال المخصّص اللفظي المتّصل ، أو العقلي الضروري إنّما هو فيما إذا كان الخارج عن العموم عنوانا واقعيّاً غير مختلف المراتب ، وتردّد مفهومه بين الأقلّ والأكثر ، كمفهوم الفاسق . أمّا إذا كان عنواناً ذا مراتب مختلفة ، وعلم بخروج بعض مراتبه عن العامّ ، وشكّ في خروج بعض آخر، فلا يسري إجماله إلى العامّ; لأنّ الشكّ في مثل هذا يرجع في الحقيقة إلى الشكّ في ورودمخصّص آخرللعامّ، غير ما علم التخصيص به(1) . وما ذهب إليه أوّلاً وإن كان صحيحاً لا غبار فيه ، إلاّ أنّ المطلب الثاني لا يخلو عن إشكال، كما بيّنه المحقّق العراقي ، قال : كلّ من قال بحجّيّة الألفاظ من باب أصالة الظهور، يلتزم بأنّه إذا أتّصل بالكلام ما يشكّ ولو بدواً في قرينيّته يضرّ بانعقاد الظهور ، وهذا الحكم العقلي وإن فرضنا عدم تردّده بين الأقل والأكثر، بل كان موجباً للشكّ في التخصيص بدواً; يمنع هذا المقدار من انعقاد أصل الظهور ، من دون احتياج إلى ضمّ عنوان واقعيّ كان مفهومه مردّداً بين الأقلّ والأكثر(2) . على أنّ هناك إشكالاً آخر يرد عليه ، وهو عدم وجود الفرق بين كون المفهوم (1) فوائد الاُصول 4: 58 ـ 60. (2) حاشية فوائد الاُصول للمحقّق العراقي 4: 60. صفحه 205 ذا مراتب مختلفة ، وبين كونه غير مختلف المراتب ; فإنّ الشبهة في كلا القسمين مفهوميّة ، ونفس إجمال المفهوم في المخصّص المتّصل اللفظي وما هو بحكمه يسري إلى العامّ; فإنّ الملاك في السراية نفس وجود الإجمال في المفهوم ; سواء كان له مراتب مختلفة، أم لا ، فتدبّر . ولعلّ المحقّق النائيني التفت إلى هذا الإشكال وأمر بالتأمّل في آخر كلامه . وقال الشهيد الصدر : كأنّه ضاع مراد المحقّق النائيني على مقرّر بحث المحقّق العراقي ، فتخيّل أنّ المقصود هو: أنّ مفهوم الخارج عن محلّ الابتلاء ذو مراتب ، وقد خرج عن العامّ بجميع مراتبه ، وشكّ في أنّ مرتبته الضعيفة داخلة في محلّ الابتلاء أم لا؟ فأورد عليه بأنّ هذا خلف فرض سريان إجمال المخصّص المتّصل إلى العامّ في تمام الموارد . إلاّ أنّ مقصود المحقّق النائيني (قدس سره) لم يكن ذلك ، بل المقصود أنّ بعض مراتب الخروج عن محلّ الابتلاء يفرض خروجه عن العامّ بالمخصّص; لوضوحه عند العقل، وتضعف درجة الوضوح هذا إلى أن تنعدم في بعض مراتب الخروج عن محلّ الابتلاء ، فلا يحكم العقل بعدم صحّة جعل الحكم فيه ، فلا يكون خارجاً بالمخصّص اللبّي المتّصل ، فيتمسّك فيه بالعامّ مطلقاً ، أو في خصوص الشبهة المفهوميّة حسب اختلاف المباني(1) ، انتهى كلامه . ثمّ قال المحقّق النائيني في آخر كلامه : إنّ الابتلاء بالموضوع ليس كالعلم من القيود المتأخّرة عن التكليف وجوداً ، حتّى لا يصحّ التمسّك بالإطلاق في نفي ما شكّ في اعتباره; بل هو من الانقسامات السابقة عليه ; لأنّ القدرة العاديّة كالقدرة العقليّة من الأوصاف العارضة على المكلّف قبل توجّه التكليف إليه ، وعلى فرض (1) بحوث في علم الاُصول 5: 297. صفحه 206 تسليم كون الابتلاء من القيود المتأخّرة ، لكن مجرّد هذا لا يجعله من شرائط التنجيز ; فإنّه منحصر بالعلم والوصول ، أو ما يقوم مقام العلم ; فإنّ الملاك في شرطيّة التنجيز هو كون الشيء موجباً لوصول التكليف ، وقيد الابتلاء ليس ممّا يوجب التكليف(1) . ويتوجّه عليه إيرادان : الأوّل : ما ذكره المحقّق العراقي; من أنّ معنى تنجيز الخطاب وصوله بمثابة يوجب استحقاق العقوبة على مخالفته، وكما أنّ للوصول دخلاً، كذلك للقدرة عليه أيضاً دخل في فعليّة استحقاق العقاب ، فلا معنى لحصر أسباب التنجيز بخصوص الوصول(2) . الثاني : ما ذكره نفسه (قدس سره) من أنّه بعد تسليم كون الابتلاء من القيود المتأخّرة، لا مجال للتمسّك بالإطلاقات وإن لم يكن من شرائط التنجيز ; ضرورة أنّه لاملازمة بين عدم كونه شرطاً للتنجيز ، وبين صحّة التمسّك بالإطلاق ; إذ يكفي في المنع عن التمسّك بالإطلاقات مجرّد كونه من الانقسامات المتأخّرة ، فالأولى منع كونه من القيود المتأخّرة(3). ولا يذهب عليك أنّ في تفسير كلام الشيخ الأنصاري يوجد احتمالان : الاحتمال الأوّل : وهو الأظهر وفاقاً للمحقّق الآشتياني(4)، أنّ مقصوده (قدس سره) هو: أنّ المقيّد اللبّي ليس كالمقيّد المتّصل الذي يسري إجماله إلى العامّ، ولايجوز التمسّك فيه بالإطلاق ، بل من قبيل المقيّد المنفصل الذي لا يسري إجماله إلى العامّ . (1) فوائد الاُصول 4: 63 ـ 65. (2) حاشية فوائد الاُصول للمحقّق العراقي 4: 63 ـ 64. (3) حاشية فوائد الاُصول للمحقّق العراقي 4: 64. (4) بحر الفوائد 2: 104. صفحه 207 وعلى هذا يمكن أن يرد على الشيخ منع هذا المبنى ; فإنّ الملاك في الاتّصال ، أو الانفصال هو العرف والعقلاء ، وهم يرون المقيّد اللبّي متّصلاً . الاحتمال الثاني : أنّ المقيّد اللبّي المنفصل المردّد بين الأقلّ والأكثر، هل هو كالمقيّد اللفظي المنفصل، أم لا؟ وبعد هذا الكلام نقول : قد اُورد على الشيخ إيرادات ثلاثة لا يمكن الجواب عن جميعها وإن اُجيب عن بعضها . الإيراد الأوّل : ما ذكره صاحب الكفاية; من أنّ التمسّك بالإطلاق إثباتاً فرع إمكان ثبوته ، والشكّ في المقام في إمكان ثبوته ، فلا معنى للتمسّك بالإطلاق(1) . وأجاب عنه المحقّق النائيني حلاًّ ونقضاً . أمّا الحلّ; فلأنّ الأمر بالعكس; أي إنّ الإطلاق إثباتاً كاشف عن وجود الإطلاق ثبوتاً وفي نفس الأمر ، كما أنّ الخطاب كاشف عن وجود الملاك في نفس الأمر ، فمن هذا الإطلاق نستكشف عدم استهجان التكليف في مورد الشكّ ، كما يستكشف من إطلاق قوله (عليه السلام) : «اللّهمّ العن بني اُميّة قاطبة»(2) عدم إيمان من شكّ في إيمانه من هذه الطائفة الخبيثة . وأمّا النقض; فبأنّ هذا البيان موجب لسدّ باب التمسّك بالإطلاقات ، ففي جميع موارد التمسّك يكون الشكّ موجوداً في نفس الأمر(3) . وقد فسّر المحقّق العراقي(4) عبارة الكفاية بما يسلم من هذين الإيرادين ، ولكنّ التفسير لا يستفاد من ظاهر العبارة أصلاً ; لأنّه راجع إلى كلتا العبارتين . فإيراد (1) كفاية الاُصول: 410 كما فسّره بهذه العبارة السيّد الخوئي في مصباح الاُصول 2: 462، والشهيد الصدر في بحوث في علم الاُصول 5: 295. (2) كامل الزيارات: 332 ح556، وعنه بحار الأنوار 101: 293 ح1. (3) فوائد الاُصول 4: 61 ـ 62. (4) حاشية فوائد الاُصول 4: 57 ـ 58 و 61. صفحه 208 المحقّق الخراساني غير تامّ . الإيراد الثاني : أنّ وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة لا يستفاد من مجرّد قوله : «اجتنب عن النجس» حتّى يتمسّك بالإطلاق في الموارد المشكوكة ، بل يستفاد منه بضميمة حكم العقل بوجوب الموافقة القطعيّة; ولا جريان للإطلاق في الحكم العقلي ; لأنّه من الأدلّة اللبّيّة ، والإطلاق من أوصاف اللفظ . واُجيب عن هذا الإيراد بأنّ المراد هو التمسّك بالإطلاق الموجود في أدلّة أخبار الاحتياط ، لكن هذا الجواب مخالف لصريح عبارة الشيخ ، فراجع . الإيراد الثالث : أنّ الرجوع إلى الإطلاق إنّما يصحّ لدفع القيود التي كانت في مرتبة المقيّد ، مع أنّ الابتلاء بحكم العقل والعرف من شرائط تنجّز الخطاب . والتمسّك بالإطلاق إنّما هو في مرتبة الإنشاء ، وبعد تماميّة هذين الإيرادين ينتج أنّ التمسّك بالإطلاق غير تامّ جدّاً ، والصحيح هو التمسّك بما ذهب إليه النائيني من كونه شكّاً في المسقط، وعدم إيراد المحقّق الكاظمي عليه كما سبق تفصيله . فإن قلت : إذا كان الابتلاء من شرائط تنجّز التكليف ، فما هو المعنى لوجود التكليف عند الشكّ في الشرط؟ قلت : هذا مسلّم ; فإنّ المشروط ينتفي عند انتفاء الشرط ، ومشكوك عند الشكّ في الشرط .لكن لاندّعي أنّ التكليف المشروط بهذاالشرط موجود ، بل حكم العقل بلزوم الاحتياط موجود في فرض العلم بالملاك ، وهذا غير مشروط بالتنجّز . فتحصّل من جميع ما ذكرنا في هذا المقام أنّ المرجع عند الشكّ هو الاحتياط; من باب أنّ الشكّ شكٌّ في المسقط . وهو مجرى الاحتياط ، ولا تصل النوبة إلى جريان البراءة . الحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً سنة 1416 من الهجرة النبويّة صفحه 209 رسالة في نظريّة العدالة في الحكومة الإسلاميّة وقد ألّفت في سنة 1419 هـ . ق بمناسبة مؤتمر الإمام الخميني (قدس سره) كانت هذه الرسالة باللغة الفارسيّة بقلم المؤلّف حفظه الله صفحه 210 صفحه 211 بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد إنّ بالإمكان دراسة مشروعيّة(1) في لزوم إقامة الحكومة الإسلاميّة تحت زعامة الفقيه الجامع للشرائط من أبعاد مختلفة . وقد ذهب بعض فقهاء الإماميّة إلى إثبات الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه عن طريق الحسبة ، أو تحت عنوان الأمر بالمعروف; من جهة أنّ الحكومة الإسلاميّة أعلى وأسمى أشكال المعروف(2) ، وذهب البعض الآخر إلى إثباتها عن طريق العقل، أو الدليل التلفيقي من العقل والنقل على أساس ضرورة وجود الحاكم لحفظ نظام المجتمع ومعيشة الناس ، والقدر المتيقّن في سماة الحاكم أن يكون فقيهاً عارفاً بأحكام الإسلام وأبعاده المختلفة (3). وفي هذا المقال تحرّكنا من زاوية اُخرى لإثبات مشروعيّة الحكومة (1) المقصود من المشروعيّة في هذه المقالة ، هو المعنى الخاصّ لها ; أي الحقّانيّة . وليس المراد منها هو المعنى العامّ المستخدم في العلوم السياسيّة (أعمّ من الحقّانيّة وعدمها) . (2) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 3: 553 وما بعدها. (3) كتاب البيع للإمام الخميني (قدس سره) 2: 623 وما بعدها. صفحه 212 الإسلاميّة إجمالاً . وبعبارة اُخرى : دراسة مشروعيّة، بل ضرورة ولاية الفقيه من منهج آخر على نحو الإجمال، رغم أنّ الدراسة الفقهيّة الدقيقة والمستوعبة بحاجةإلى مجال أوسع وتدبُّر أكثر . وقد تمّت الإشارة إلى هذا المنهج في كلمات الإمام الخميني (قدس سره) بنحو الإجمال(1) . وفي عمليّة إثبات مشروعيّة ولاية الفقيه بهذا المنهج، لا نجد أنفسنا بحاجة إلى الاستدلال بأدلّة الحسبة ، أو أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو روايات بحث ولاية الفقيه من قبيل: العلماء ورثة الأنبياء(2)، أو العلماء أُمناء الرُّسل(3) . وليس من اللازم أيضاً التمسّك لإثبات أصل الولاية بهذا المنهج بمقبولة عمر بن حنظلة(4)، والتوقيع الشريف لإمام العصر(5) (عليه السلام) ; لأنّ هذا المنهج يقوم على قاعدة متماسكة للكثير من محكمات القرآن الكريم، والروايات المعتبرة التي سوف يُشار إليها لاحقاً . في هذا المنهج نلاحظ هامشيّة إلغاء مسألة لزوم بيعة الناس مع الفقيه ، في حين أنّ المناهج الاُخر تأخذ بنظر الاعتبار الحاجة إلى البيعة في مسألة إثبات ولاية الفقيه . (1) كتاب البيع للإمام الخميني (قدس سره) 2: 617 وما بعدها. (2) الكافي 1: 32 ح2، وعنه وسائل الشيعة 27: 78، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي ب8 ح2. (3) كنز العمّال 10: 183 ح28952 وص204 ح29083، الكافي 1: 46 ح5، وفيه: «الفقهاء اُمناء الرسل»، وكذا في نوادر الراوندي: 156 ح226، وعنه مستدرك الوسائل 13: 124، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب35 ح8 . (4) الكافي 1: 67 ح10، تهذيب الأحكام 6: 218 ح514 وص301 ح845 ، الاحتجاج 2: 260، الرقم 232، وعنها وسائل الشيعة 27: 136، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ب11 ح1. (5) وهو: قوله (قدس سره) : «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا» . كمال الدِّين: 484 ح4، الغيبة للطوسي: 291 قطعة من ح247، الاحتجاج 2: 543 قطعة من الرقم 344، وعنها وسائل الشيعة 27: 140، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي ب9 ح9. صفحه 213 ويتلخّص هذا المنهج في نقاط : الاُولى: أنّ الهدف الأساسي لبيان الأحكام ، وإيجاد الأديان ، وإرسال الأنبياء(عليهم السلام) ، وإنزال الكتب السماويّة، عبارة عن تحقّق العدالة بمعناها الأوسع، الذي سوف يأتي الحديث عنه . وتحقّق العدالة واجب في دائرة العقل، والقرآن، والروايات . الثانية: أنّ جعل الولاية للأنبياء والمرسلين(عليهم السلام) ليس من جهة أنّ الشارع المقدّس أراد إعطاء القدرة الظاهريّة لهم ، بل من أجل تحقّق العدل بمعناه الواسع بين الناس(1) . فالشارع جعل الولاية للأنبياء(عليهم السلام)، وخاصّة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) من حيث ارتباطهم بمصدر الوحي النورانيّ، وصلتهم الوثيقة بالتعاليم السماويّة ، فكانوا أوثقالناس، وأعرفهم بعمليّة تلقّي الوحي، وتطبيقه في حركة الواقع الاجتماعي ، وإلاّ فمع قطع النظر عن هذه الجهة، لا يمكن تصوير وجه صحيح لهذا الأمر . الثالثة: أنّه يستفاد من الروايات التي تقرّر بأنّ «العلماء ورثة الأنبياء» ، و«اُمناء الرُّسل» أنّ هذا المنصب قد جعله الله ـ تعالى ـ للفقهاء الجامعين للشرائط ، ومع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ تحقّق العدالة لا يختصّ بالأنبياء والأئـمّة المعصومين(عليهم السلام) ، بل يشمل كلّ من له معرفة جيّدة بالعدالة من خلال الارتباط بالقرآن، والسنّة الشريفة ، وبالتالي من وجوب تحقّق العدالة يتبيّن حينئذ لزوم ولاية هذه الفئة على الناس ، وسيتمّ توضيح هذا المطلب أكثر فيما بعد . الفقيه الجامع للشرائط يستطيع تحقّق العدالة بمعناها الواقعي في المجتمع ،حيث نعتقد بأنّ أعرف الناس بحقيقة العدالة، وأبعادها، وجزئيّاتها، هم المتعمّقون في الدِّين، والمحقّقون في كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله) ، وهذا المعنى يتجسّد في (1) كما في قوله ـ تعالى ـ : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَـتِ وَ أَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَـبَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) سورة الحديد 57 : 25. صفحه 214 الفقهاء . الإمام الخميني (قدس سره) يقرّر هذا المعنى في خطبته بتاريخ 2 / 6 / 1365 هـ .ش، المطابق لسنة 1406 هـ . ق ، بمناسبة عيد الغدير ويقول : إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ علم بأنّه لا أحد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإمكان تحقّق العدالة بما في الكلمة من معنى، وبالصورة المطلوبة ، فأمر رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) بأن ينصب لذلك من يتمتّع بالقدرة الكافية لتحقّق العدالة بجميع معانيها في المجتمع ، وتكون حكومته حكومة إلهيّة(1) . ويتبيّن من هذا المقطع من كلام الإمام أنّ فلسفة الغدير والغاية المهمّة من نصب الإمام (عليه السلام) هي إقامة العدل . إنّ ما جعل أساس الإمامة ضروريّاً في الإسلام هو: أنّ الشخص الوحيد القادر على تحقّق العدالة بمعناها الواقعي في المجتمع هو الإمام (عليه السلام) ; لأنّ العدالة في مفهومها وتعريفها هي وضع الشيء في موضعه ، وهذا المفهوم الواسع للعدالة ـ الشامل لجميع الأبعاد الوجوديّة للإنسان، وجميع موجودات العالم، وارتباط الإنسان مع غيره ـ لا يعلمه سوى الإمام (عليه السلام) . إنّ الإمام المعصوم (عليه السلام) ومن خلال العلم الواسع الذي أودعه الله ـ تعالى ـ فيه; يمكنه تبيين العدالة للمجتمع الإنساني، وبالتالي العمل على تحقّقها . المراد من العدالة إنّ المراد من العدالة في هذا البحث ليس هي الملَكة النفسانيّة التي تعدّ إحدى فضائل النفس، بل أكمل فضائلها، والتي تقع مورد البحث الفقهي، وتعتبر شرطاً في (1) صحيفه امام (رحمه الله) 20: 112. صفحه 215 إمام الجماعة، أو الجمعة، أو الشاهد، وأمثال ذلك ، كما أنّ المراد منها ليس هو المفهوم من العدالة في دائرة الصفات الإلهيّة; أنّه تعالى لا يظلم أحداً إطلاقاً في جميع الظروف ، بل يجازي كلّ إنسان بعمله . فالمراد من العدالة في هذا البحث هو معنى ثالث، ويمكن التعبير عنه بعنوان العدالة الاجتماعيّة بالمعنى الذي نطرحه فيما بعد . قد يخطر إلى الذهن في البداية، المعنى المحدود لهذه الكلمة ; وهو لزوم مراعاة العدالة الاقتصاديّة في طبقات المجتمع، حيث يقوم الحاكم أو القائد بتوزيع المنابع الماليّة، والقدرات الاقتصاديّة الموجودة في المجتمع على أفراده بشكل صحيح ومنطقيّ، لا أن تجتمع الثروات بيد فئة معيّنة أو شخص خاصّ . ولكن بعد التأمّل والدقّة في مفهوم العدالة نجد أنّه بإمكاننا توسعة هذا المفهوم إلى أُفق أسمى لا يقتصر على المسائل الاقتصاديّة والماليّة في المجتمع ، بل يستوعب جميع الأبعاد الموجودة في المجتمع البشري، وجميع العلاقات المرسومة بين أفراد البشر ، بل بين الإنسان وغيره أيضاً ; لأنّه بالعدل قامت السماوات والأرض(1) . إنّ العدالة الاجتماعيّة بهذا المعنى الشامل، تستوعب جميع الحقوق الفرديّة، والاجتماعيّة للإنسان، وجميع أشكال الحقوق المعتبرة للإنسان ، فيدخل في هذه الدائرة حقوق الأديان ، والمذاهب ، والقوميّات ، وجميع الحقوق التي لله ـ تعالى ـ على الإنسان، والمجتمع الإنساني . وكذلك تشمل جميع اُمور الإنسان بصورة كاملة ; سواء في الاُمور العباديّة ، والسياسيّة ، والاقتصاديّة ، والاجتماعيّة وأمثال ذلك . وبالجملة : أنّ العدالة الاجتماعيّة بمعناها الواسع عبارة عن رعاية جميع ماينبغي وما لا ينبغي في جميع أبعاد الإنسان، والمجتمع الإنساني، وحتّى خالق (1) عوالي اللّئالي 4: 103 ملحق ح 150، تفسير الصافي 5: 107، التفسير الكبير للفخر الرازي 7 : 261. |
|
|||||||||||||||