« السابق فهرس بعد »

صفحه 247

ارتباط هذا المبنى مع سائر المباني في ولاية الفقيه، يحتاج إلى دراسة أدقّ وأوسع وأكثر تخصّصاً ، ولعلّنا نوفّق لذلك في المستقبل إن شاء الله .

* * *


صفحه 248

رسالة في

تأثير
الزمان والمكان
في الفقه

وقد ألّفت في سنة 1415 هـ . ق بمناسبة المؤتمر
للبحث عن آراء الفقهي للإمام الخميني (قدس سره)

كانت هذه الرسالة باللغة الفارسيّة بقلم المؤلّف حفظه الله
وقد نقلت إلى اللغة العربيّة


صفحه 250

بسم الله الرحمن الرحيم

و في هذه الرسالة يقع البحث في فصول:

الفصل الأوّل:
كلّيات البحث

ليس من العسير العثور على جوهرة ثمينة تسمّى بـ «الزمان والمكان»، ورصد تأثيرها على فروع فقهيّة عديدة في البحر الواسع والمترامي الأطراف لعلم الفقه، الجوهرة التي تمنح علم الفقه حياة وحركة. وبكلمة جامعة: تمنحه الخلود والامتداد الفاعل في أبعاد هامّة للمجتمع البشري. ويمكن القول بأنّه لو لم تبذل عناية خاصّة في دراسة واستكشاف هذا العنصر المؤثِّر فسوف يُصاب الفقه بالجمود والركود، ويصل الاجتهاد إلى طريق مسدود، وبالتالي يتمّ تحنيط الفقه في زاوية معيّنة من العالم والمجتمع البشري.

وبالرغم من أنّ تبيين هذا الأمر المهمّ، وتسليط الضوء على جوانبه المتنوّعة وأبعاده المختلفة; هي من شأن كبار الفقهاء والاُصوليّين من ذوي المباني، والمتمرِّسين والمتضلِّعين في الفقه والاُصول، بحيث يستطيعون حلّ العُقد المستصعبة في هذين العلْمين، نتيجة الممارسة الطويلة في عمليّة البحث الفقهي والاُصولي، وليس الأشخاص مثلي القدرة على التوسّع والتعمّق في دراسة هذا الموضوع


صفحه 252

بصورة وافية، إلاّ أنّنا بحسب الضرورة سنشير إجمالاً إلى هذا الموضوع المهمّ في هذه المقالة. ولعلّنا نستطيع بذلك تسليط الأضواء على زاوية من أفكار الإمام الخميني (قدس سره) الواسعة، وبالتالي نتمكّن من تحقيق مقصوده الأصلي في هذا المجال.

ونأمل أن يكون هذا البحث وسيلة للمحقّقين في دائرة الفقه والفقهاء العاملين الذين يحملون على عاتقهم أمانة الأنبياء والأولياء(عليهم السلام) إن شاء الله.

أ) مفهوم الزمان والمكان، وتأثيرهما في الفقه

قبل الدخول في أصل الموضوع لابدّ من توضيح إجماليّ لهذا العنوان، رغم أنّه سيتّضح أكثر ضمن المطالب اللاّحقة.

من المعلوم أنّ المراد بالزمان والمكان ليس هو معناهما اللغوي، وكذلك ليس المراد معناهما الفلسفي الذي يختلف الفلاسفة في تحقّقه اختلافاً شديداً، بل المراد هي الظروف، والخصوصيّات، والعلاقات الجديدة الحاكمة على الأفراد والمجتمع، والمتغيِّرة بتغيّر الزمان والمكان. وكذلك الاستنباطات المختلفة التي يستخرجها الفقيه من الأدلّة والمنابع الفقهيّة، نتيجة ارتباطه بالعلوم البشريّة الجديدة.

إنّ الأصل المقوّم لهذا الموضوع ـ وبمثابة الفصل المميّز له عن سائر المواضيع المتعلِّقة بعلم الفقه ـ هو تغيير الظروف والشرائط الموجودة في المجتمع، أو فئة من الناس بما من شأنه خلق مناسبات جديدة في علاقات الأفراد، وبالتالي اختلافهم في الفهم للحكم الشرعيّ بالاستناد على المباني الفقهيّة. وبما أنّ هذا الأمر يتحقّق غالباً بمرور الزمان، وتغيّر الأمكنة والظروف الجغرافيّة المختلفة، تمّ التعبير عنه بتأثير الزمان والمكان في الاجتهاد، وإلاّ فمن الممكن تحقّق هذا المعنى في زمان واحد; كأن يكون لشيء معيّن حكم خاصّ بسبب اختلاف الروابط، وتغيّر الظروف ممّا يستدعي طروّ عناوين جديدة عليه.

وفي نفس الوقت يكون له حكم آخر مع قطع النظر عن تلك الروابط


صفحه 253

والظروف. وعليه: فإنّ عنوان الزمان والمكان بنفسه ليس له دور في هذا البحث. وما له دور في هذا البحث عبارة عن:

أوّلاً: تغيير الشرائط وطروّ خصوصيّات جديدة تستدعي عناوين جديدة، وبالتالي تستلزم أحكاماً جديدة، وهذا التغيير يرتبط بأحد عنوانين:

1 ـ تغيير الموضوع نفسه، أو تغيير أحد قيوده بنحو يصلح لتبديل الحكم; من قبيل أنّ الشطرنج كان يستخدم في الماضي كأداة من أدوات القمار، ولكن فيما لو  استعمل كلعبة فكريّة في هذا الزمان، من دون تدخّل عنصر المراهنة، خرج عن دائرة التحريم.

2 ـ حدوث حاجات وضرورات جديدة لم تكن محلّ ابتلاء في السابق، ولكنّ المجتمع البشري في هذا العصر، أو الأعصار القادمة يعتبرها أمراً ضروريّاً; من قبيل المسائل المستحدثة في الطب، كالتشريح ووصل أعضاء الميّت ببدن الحيّ. وكذلك الضرورات الاقتصاديّة; من قبيل التأمين، والبنوك وغيرها.

وثانياً: مع غضّ النظر عن تغيّر وتبدّل الموضوعات، أو الحاجات والضرورات الجديدة، فقد يحدث للفقيه ـ بسبب مرور الزمان وسعة العلوم البشريّة والارتباط الثقافي مع العالم ـ فهماً جديداً من الأدلّة والمنابع الفقهيّة يقوم على أساس نفس المباني الاجتهاديّة، مثلاً يفهم من الأدلّة التي تشترط إذن المعصوم (عليه السلام) أو نائبه الخاصّ في الجهاد، أنّ الجهاد الابتدائي يفتقد للمشروعيّة بدون إذن. والحال أنّ بعض الفقهاء في هذا العصر يرون أنّه يجب معرفة الملاك لهذا الشرط أوّلاً.

ومن المعلوم أنّ المقصود من شرطيّة هذا الشرط هو: أنّ الجهاد الابتدائي ليس من قبيل الصلاة والصوم، بل يحتاج إلى إمام وقائد يدرس جوانب الموضوع بنحو دقيق، ويتمّ الجهاد على أساس هذا النظر الدقيق له، ولسنا في صدد المناقشة


صفحه 254

في صحّة أو سقم هذه النظريّة، ولكن ذكرنا هذا المورد بعنوانه شاهداً على اختلاف الفهم بالنسبة للأدلّة الفقهيّة على أثر مرور الزمان.

وقد يتوهّم أنّ هذا الفهم نفسه كان في السابق لدى بعض الفقهاء أيضاً، وليس له أيّ ارتباط بمسألة الزمان والمكان، ولكنّنا في مقام الجواب نقول: رغم أنّ هذا التوهّم قد يكون له نصيب من الواقع، ولكنّ الفقيه يمكنه إمضاء هذا الفهم بمشاهدته للحروب وأشكال الدفاع.

ب) تأثير الزمان والمكان في العلوم الاعتباريّة

إنّ تأثير الزمان والمكان في الكثير من العلوم يكاد يكون مشهوداً وملموساً. وهذا المعنى واضح في العلوم التجربيّة والإنسانيّة إلى درجة لا يحتاج معها إلى بيان وتمثيل، مضافاً إلى ذلك فإنّ هذه المسألة لها دور هامّ في بعض العلوم الإلهيّة غير النظريّة أيضاً كالعرفان، يقول «صائن الدِّين علي بن محمد التُركة» في كتابه المعروف:

«ولا شكّ أنّ المناسبة الزمانيّة من أتمّ المناسبات»(1).

ومن الواضح أنّ المناسبات الزمانيّة والشرائط الخاصّة بالزمان والمكان لها أثر مهمّ في المسائل العرفانيّة والواردات القلبيّة، والمكاشفات المعنويّة للعارف. والغرض من نقل هذا المطلب بيان سعة دائرة تأثير الزمان والمكان، وإلاّ فإنّ ماجاء في باب العرفان يتفاوت كلّياً مع ما سيأتي من تأثير هذه المسألة في علم الفقه.

وما هو جدير بالذكر أنّ هذا العنصر الهامّ لا يتدخّل أبداً في المسائل النظريّةالحقيقيّة، فالعلوم المبتنية على القواعد العقليّة من قبيل الفلسفة والرياضيات


(1) تمهيد القواعد 2 : 236.

صفحه 255

لا تتأثّر بتغيّر الشرائط والخصوصيّات. نعم، لا يمكن إنكار تأثير تغيّر الزمانوالمكان في ظهور معادلات علميّة جديدة أفضل من السابق، من قبيل تغيير بعض القواعد الهندسيّة المبتنية على الاُمور الخارجيّة، مثل كرويّة الأرض، ولكن لا يمكن تغيير القواعد الرياضيّة والهندسيّة المبتنية على المباني العقليّة والمنطقيّة، وعليه يكون بإمكاننا بيان قاعدة كلّية في هذا المجال، وهي: أنّ جميع العلوم الاعتباريّة كالفقه تقع تحت تأثير هذا العنصر الهامّ، إلاّ أنّ تأثيره في العلوم الحقيقيّة محدود جدّاً، بل في حيّز العدم.

وبالرغم من أنّ علم الفقه كالعلوم الاعتباريّة الاُخرى له ملاكات مشخّصة من الناحية العلميّة، وله موضوع ومبادئ ومسائل مشخّصة كسائر العلوم الاُخرى، فلماذا يستنكر ويستوحش الفقهاء في البداية من مسألة تأثير هذا العنصر في الأحكام الشرعيّة، والحال أنّنا لا نرى أيّ لون من ألوان الاستنكار والاستيحاش في دائرة العلوم التجربيّة؟

هل أنّ وجود منبع استدلاليّ ثابت ومتقن ـ كالقرآن الكريم، ومعه الثقل الآخر وهي الروايات ـ يمثِّل نقطة الفرق بين علم الفقه وسائر العلوم؟

هل أنّ وجود بعض القواعد والأحكام التعبّدية هو السبب الذي يقف وراء ذلك؟

هل أنّ عدم الإحاطة بملاكات الأحكام الشرعيّة استوجب هذا الافتراق؟

لابدّ لمعرفة الجواب عن هذه الأسئلة ونظائرها من بيان أُمور:

الأوّل: أنّ هذه المسألة من أيّ مسائل العلوم؟ وبأدوات ووسائل أيّ علم يمكننا توضيح وبيان هذه المسألة؟

الثاني: لابدّ من بيان الفرق الأساسي بين هذه المسألة، والمسائل الاُخر: من


صفحه 256

قبيل العرف، وبناء العقلاء، وحتّى المسائل المستحدثة; لأنّ البعض(1) تصوّر عدم وجود فرق بين هذه المسألة (تغيّر الزمان والمكان) وبين مسألة العرف وبناء العقلاء. فهذه تعبيرات مختلفة لمعنى واحد.

الثالث: لابدّ من دراسة الأبعاد الموجودة في علم الفقه من قبيل: الملاكات والموضوعات، والمتعلّقات، وكذلك أنواع وأقسام الحكم الشرعيّ.

ج) موقع مسألة الزمان والمكان

لم تبحث مسألة تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد في أيّ من العلوم المدوّنة الحاليّة، كالفقه والاُصول والكلام، ولهذا يجب البحث في أنّ الموقع العلمي لهذه المسألة في ضمن مسائل أيّ علم ستكون؟

من الواضح: أنّ علم الفقه لا يتكفّل تبيين هذه المسألة المهمّة; لأنّ الضابطة في المسألة الفقهيّة هي بيانها لحكم جزئيّ في موضوع معيّن، في حين أنّ مسألة الزمان والمكان ليست كذلك، ولا ترتبط مباشرة بفعل المكلّف، الذي يشكّل الموضوع لعلم الفقه.

وكذلك الحال بالنسبة لعلم الاُصول، حيث لا يتكفّل هذا الأمر; لأنّ معيار المسألة الاُصوليّة هووقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعيّ، أو بتعبير البعض(2): ما تقع في كبرى القياس، والحال أنّ مسألة الزمان والمكان ليس لها هذه الصلاحيّة.

قد يخطر على الذهن في البداية أنّ هذا البحث مربوط بمبادئ الأحكام، وهذه المبادئ عبارة عن اللوازم والحالات المترتّبة على الأحكام الشرعيّة; من قبيل مسألة التضادّ وعدمه بين الأحكام الشرعيّة، وبما أنّ في هذا البحث تُبحث مسألة


(1) مجموعه آثار كنگره بررسى مبانى فقهى إمام خمينى (رحمه الله) «اجتهاد و زمان و مكان» 1: 225ـ 231.
(2) فوائد الاُصول 1: 29، الاُصول العامّة للفقه المقارن: 41 ـ 42.

صفحه 257

تأثير الزمان والمكان في الأحكام الشرعيّة، يكون البحث عن عوارض وحالات الحكم الشرعيّ. وعليه: يدخل في مبادئ الأحكام الشرعيّة.

وسوف يتّضح لاحقاً أنّ هذا البحث ليس له تأثير مباشر في الأحكام الشرعيّة نفسها، بل يؤثّر غالباً في إيجاد تغييرات في دائرة الموضوعات والمتعلّقات.

وعليه: لا يمكن اعتباره من مبادئ الأحكام، والتحقيق هو: أنّ هذا البحث لا  ينبغي أن يبحث بعنوان مسألة من المسائل حتّى نبحث عن العلم الذي تُبحث فيه هذه المسألة، بل هو عنوان كلّي عامّ يعبّر عنه بنظريّة دور الزمان والمكان في الاجتهاد، ويرتبط بالنظريّات الفقهيّة العامّة.

وقد بيّنا في محلّه(1) أنّ بين المسألة الاُصوليّة والمسألة الفقهيّة والقواعد الفقهيّة من جهة، والنظريّة الفقهيّة العامّة من جهة اُخرى، بونٌ شاسع وتفاوت أساسيّ.

النظريّة الفقهيّة العامّة عبارة عن المباحث المتعلِّقة ببعض الموضوعات السائدة في أبواب مختلفة من علم الفقه، ولها دور في كثير من الفروعات المتفرّقة، وكذلك تكون أساساً ومبنىً لموضوعات أُخر; من قبيل البحث عن العرف وحقيقته وحدوده وتأثيره في المسائل الفقهيّة.

وعليه: فإنّ النظريّة الفقهيّة العامّة لاتتضمّن حكماً شرعيّاً، بل تتضمّن بيان شرائط وأركان أمر معيّن، وكذلك تحوي قضايا متعدّدة.

إنّ مسألة تأثير الزمان والمكان في الأبواب المختلفة لعلم الفقه هي نظريّة فقهيّة عامّة، يجب أن تُبحث في مكان آخر على مستوى تعريفها، وماهيّتها، ومقدار تأثيرها، وحدودها، وسائر الخصوصيّات الأُخر، فعلى هذا لا يمكن اعتبارها من مسائل أيّ علم من العلوم.

ويتبيّن من هذا المطلب:


(1) مقدّمة القواعد الفقهيّة ـ لسماحة آية الله العظمى الشيخ فاضل اللنكراني(قدس سره) 1: 13.

صفحه 258

أوّلاً: أنّ مسألة الزمان والمكان لا تدخل في أيّ علم من العلوم المتعارفة، كالفقه أو الأُصول.

وثانياً: أنّ هذه المسألة ليست قضيّة واحدة متشخّصة، بل تتضمّن عدّة قضايا متنوّعة.

وثالثاً: أنّ هذه المسألة ليس لها أيّ ارتباط مباشر بالأحكام الشرعيّة، ولاتستتبع حكماً شرعيّاً، وكذلك لا تعتبر دليلاً للحكم الشرعيّ، كما هو الحال في سائر أدلّة الأحكام. وعليه: فمن الخطأ أن نتصوّر أنّ بإمكاننا استخراج الحكم الشرعيّ، أو إقامة الدليل عليه من خلال الزمان والمكان.

ورابعاً: أنّ هذه المسألة ليس لها دور في عمليّة الاستدلال، بل لها دور في تبيين الموضوعات، أو إحدى الطرق الممهّدة لفهم الخصوصيّات والشرائط الجديدة لموضوع معيّن، أو في مقام تبيين ظاهر أحد الأدلّة.

وخامساً: بما أنّ هذه المسألة لا تُؤخذ بعنوان دليل مستقلّ، فلا يمكنهاأن تكون بمثابة مخصّص لدليل، أو حاكم على دليل، ولكن لها صلاحيّة أن تكون فعليّة من جهة الحكومة على دليل آخر; يعني أنّ من الممكن أن لا يكون بين دليلين أيّ ارتباط في بعض الموارد والظروف، ولكن في ظروف اُخر يكون أحدهما ناظراً إلى الآخر، ويرتدي عنوان الدليل الحاكم على الآخر، وسيتّضح هذا المعنى أكثر في المباحث اللاحقة.

د) تفاوت الزمان والمكان مع بعض الاُمور المشابهة

1 ـ الزمان والمكان ومسألة العرف

يرى بعض المحقّقين(1) أنّه لا فرق بين هاتين المسألتين، فكلّ واحدة منهما تعبير


(1) تقدّم في ص256.

صفحه 259

عن عنوان آخر لمسألة واحدة، في حين يتّضح مع التأمّل والدقّة في المطلب أنّ بينهما فرقاً أساسيّاً وواضحاً، ومن أجل تبيين هذا المطلب لابدّ من ذكر بعض الاُمور حول مفهوم العرف:

يقول الشهيد آية الله الصدر (قدس سره) في تعريف العرف: «وهناك نوع آخر من السيرة يطلق عليه في علم الاُصول اسم «السيرة العقلائيّة». والسيرة العقلائيّة عبارة عن ميل عامّ عند العقلاء ـ المتديّنين وغيرهم ـ نحو سلوك معيّن دونأن يكون للشرع دور إيجابيّ في تكوين هذا الميل، ومثال ذلك: الميل العامّ لدى العقلاء نحو الأخذ بظهور كلام المتكلّم»(1).

والتحقيق: أنّه بالرغم من وجود نقاط مشتركة بين هاتين المسألتين، ولكنّهما يفترقان في خمس جهات:

الاُولى: يتضمّن عنوان العرف اتّجاهاً وميلاً لدى عموم الأفراد، وهو السبب وراء وجود منهج عمليّ لدى الناس كافّة.

في حين أنّ مسألة الزمان والمكان لا تكون بهذه الصورة دائماً، بل قد تحدث وقائع اجتماعيّة غير متوقّعة أحياناً، ولاتتضمّن أيّ نحو من الميل العامّ للناس.

الثانية: ترتبط مسألة العرف بعامّة الناس وأغلبيّة الأفراد الذين يعيشون في مجتمع واحد، والحال أنّ مسألة الزمان والمكان ـ مضافاً إلى دورها الأساسيّ في صياغة المجتمع ـ لها تأثير واضح على الفرد المعيّن أيضاً، مثلاً الشيخ الأنصاري (قدس سره) (2)يرى في مسألة منجّزية العلم الإجمالي أنّ ابتلاء المكلّف هو أحد شرائط التكليف. ومن الواضح أنّ الشيء الواحد يمكنه أن يكون محلّ ابتلاء المكلّف في زمان معيّن، ويخرج ذلك الشيء نفسه عن محلّ الابتلاء في زمن آخر.


(1) المعالم الجديدة: 168.
(2) فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) 2 : 233 ـ 238.

صفحه 260

الثالثة: ترتبط مسألة الزمان والمكان في بعض مواردها ومصاديقها بحفظ الدِّين وصيانته من الزوال، وليس لهذه المسألة ارتباط بالعرف.

مثلاً: في زمان حياة الإمام الخميني (قدس سره) حصلت ظروف معيّنة أوجبت تعطيل الحجّ لمدّة ثلاث سنوات(1)، بل يمكن القول بأنّ وجوب الحجّ غير ثابت في تلك الظروف، والاستطاعة غير متحقّقة; لأنّ جميع الفروعات والأحكام الشرعيّة محكومة في مقابل مسألة حفظ أساس الدِّين، فهذه المسألة حاكمة على جميع تلك الموارد، ومقتضيات الزمان والمكان هي التي تقرّر فعليّة هذه الحكومة، رغم أنّنا قلنا سابقاً: إنّ هذه المسألة لا ترتبط مباشرة بمسألة تخصيص دليل بالنسبة إلى دليل آخر، أو حكومة دليل على دليل آخر، ولكنّها قد تكون سبباً لفعليّة حكومة الدليل الحاكم.

الرابعة: في بعض الموارد يمكن أن يحدث لموضوع يرتبط بالعلاقات الاجتماعيّة السائدة في المجتمع حكماً آخر، وليس لذلك أيّ ارتباط بالعرف.

الخامسة: في بعض الموارد يكون للعرف دور هامّ، ليس لمسألة الزمان والمكان أيّ تأثير فيها، مثلاً للعرف دور أساسيّ في فهم ظواهر الألفاظ والمفردات في اللغة، والحال أنّ مسألة الزمان والمكان أجنبيّة عن هذا الأمر.

وعلى هذا الأساس; فالنسبة بين مسألة العرف، ومسألة الزمان والمكان هي العموم والخصوص من وجه.

2 ـ الزمان والمكان، وبناء العقلاء

ورد بناء العقلاء في علم الاُصول باعتباره أحد الأدلّة التي تُبحث ضمن


(1) وهي سنة 1407 من الهجرة النبويّة (صلى الله عليه وآله) ، التي قُتل فيها جمعٌ كثير من الحجّاج الإيرانيّين حين إعلان البراءة من المشركين إلى ثلاث سنوات بعدها، صحيفة الإمام الخميني (قدس سره) 20: 349.

صفحه 261

موضوع السنّة، فلو أنّ العقلاء ـ بما هم عقلاء ـ اتّفقوا على أمر من الاُمور في دائرةجلب المصلحة أو دفع المفسدة، وقد تمّ إمضاء هذا الاتّفاق من قِبل المعصوم (عليه السلام) . فحينئذ يعتبر دليلاً شرعيّاً يمكن الاستفادة منه في إثبات الحكم الشرعيّ، والحال أنّه قد تقدّم(1) أنّ مسألة الزمان والمكان ليس لها أيّ ارتباط مباشر مع الأحكام الشرعيّة.

ولا تعتبر دليلاً من الأدلّة الشرعيّة، ولتوضيح هذا المطلب لابدّ من بيان معنى بناء العقلاء باختصار:

إنّ المحقّق الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر (قدس سره) يقول في تحقيقاته في البحوث الاُصوليّة: إنّ السيرة العقلائيّة لا تحتاج حجّيتها إلى إمضاء الشارع في موردين :

الأوّل : أن تكون السيرة العقلائيّة بنفسها منقّحة ثبوتاً لفرد حقيقيّ، من الموضوع، كما إذا لاحظنا دليل وجوب إمساك الزوجة بمعروف، أو تسريحها بإحسان(2) ، الذي دلّ على وجوب النفقة تحت عنوان «الإمساك بمعروف» ; فإنَّ المعروف من العرف، وهو الشايع والمستساغ .

الثاني : أن تتدخّل السيرة في تنقيح الموضوع إثباتاً وكشفاً، لاثبوتاً، كما كان في النحو الأوّل . كما إذا دلّ دليل على أنّ «المؤمنين عند شروطهم» ، واكتشفنا من تباني العقلاء، وسيرتهم على خيار الغبن، أنَّهم لايرضون في البيع والمعاوضة بفوات الماليّة، وإنَّمايرفعون اليدعن الخصوصيّة مع الحفاظ على الماليّة بما يساويها عرفاً في العوض .

وأمّا ما تحتاج في إثبات حجّيتها إلى إمضاء الشارع ففي موردين آخرين :

الأوّل : السيرة التي تنقّح ظهور الدليل، وهذا يدخل تحته أعمال المناسبات العرفيّة، والمرتكزات الاجتماعيّة المرتبطة بفهم النصّ .


(1) في ص 258.
(2) سورة البقرة 2: 229.

صفحه 262

الثاني : السيرة المتشرّعيّة; وهي التي يراد الاستدلال بها على كبرى الحكم الشرعي، كالسيرة العقلائيّة القائمة على أنّ من حاز شيئاً من الأموال المنقولة المباحة ملكها، وكذلك السيرة القائمة على خيار الغبن في المعاملة إذا اُريد الاستدلال بها على إثبات الخيار ابتداء(1) .

ويستفاد من كلمات الإمام الخميني (قدس سره) بأنّه لو فرض عدم العمل ببناء العقلاء في المورد الثاني; فإنّه يلزم منه اختلال النظام. وعليه: فليس فقط نستغني عن إمضاء الشارع، بل إنّ الشارع المقدّس لا يتمكّن من المخالفة في مثل هذا المورد، بل لابدّ له من العمل به بما أنّه أحد العقلاء(2).

وبالرغم من أنّ مرور الزمان، واكتشاف العلوم البشريّة الجديدة يؤثِّر في ظهور سلوكيّات، وسير عقلائيّة جديدة، ويهيّئ الأرضيّة لتحقّقها على أرض الواقع الاجتماعي ـ ومن هنا يتجلّى الارتباط الوثيق بين هاتين المسألتين ـ ولكن في الوقت نفسه فإنّ موارد كثيرة في مسألة الزمان والمكان لا ترتبط بمسألة بناء العقلاء وتوافقهم، على سبيل المثال ظهور موضوعات وضرورات جديدة من قبيل تشريح بدن المسلم.

وكذلك لو وصل الفقيه إلى حكم شرعيّ نتيجة سعة إطّلاعه، والوثوق بملاكه، وعمل على إجرائه في سائر الموارد، أو تعيين المصاديق في باب الاحتكار، حيث يكون بعهدة الوليّ المتصدّي للحكومة في كلّ زمان ـ فيختار المصاديق لهذا الأمر طبقاً لمقتضيات الزمان ـ أو ما نجده في باب الحجّ في مورد رمي الجمرات، حيث تمّ إضافة بناء جديد لها، فهل أنّ رمي الأحجار الإضافيّة مجز، أم لا؟ وأمثال هذه الموارد التي لا يكون لبناء العقلاء أيّ دور فيها.


(1) بحوث في علم الأصول 4: 234 ـ 236.
(2) اُنظر تهذيب الاُصول 2: 472 ـ 475، ومعتمد الاُصول 1 : 485 ـ 486.

صفحه 263

3 ـ الزمان والمكان، والمسائل المستحدثة

توجد مسائل في الفقه المعاصر لم تُذكر في كتب فقهاء السلف، ولهذا ذكرت بعنوان المسائل المستحدثة; أي المسائل الجديدة; من قبيل تشريح بدن الميّت المسلم، هل يجوز ذلك، أم لا؟ أو هل يجوز وصل الأعضاء من بدن الحيّ لحيٍّ آخر، أو من ميِّت إلى بدن حيّ، أم لا؟

عنوان «المسائل المستحدثة» ـ بعكس المسألتين السابقتين ـ له ارتباط وثيق بمسألة الزمان والمكان، ولكن في نفس الوقت هناك فرق بين هذين العنوانين في جهة من الجهات.

ففي بعض المسائل يكون للمكان دور أساسيّ في تغيير الموضوع، في حين أنّه لا يعتبر من المسائل المستحدثة، وقد ذكر في كتب القوم; من قبيل مسألة بيع الماء في البيداء، حيث يتمتّع بماليّة وقيمة شرائيّة، ولكنّه في غير البيداء لا ماليّة له، وغير قابل للبيع والشراء، أو مسألة بيع وشراء الدم، حيث منع منه الفقهاء الماضون. ولكنّ الفقهاء المعاصرين أجازوا هذه المعاملة لترتّب المنفعة العقلائيّة عليها، فهذه المسألة مذكورة في كتب القدماء، وليست من المسائل المستحدثة.

النتيجة هي: أنّ المسائل المستحدثة تدور نوعاً حول الموضوعات الجديدة التي لم تبحث في السابق، أو لم تحقّق قبل ذلك، كالصلاة في المناطق القطبيّة، في حين أنّ مسألة الزمان والمكان أعمّ من هذه المسألة، وتدور حول تغيير خصوصيّات الموضوع الذي تمّ بيان حكمه سابقاً.

ونستنتج ممّا تقدّم أنّ مسألة الزمان والمكان بحث واسع يستوعب مسألة العرف، وبناء العقلاء، والمسائل المستحدثة، وهذه المسائل تعدّ في كثير من الموارد من صغريات هذه المسألة.


صفحه 264

4 ـ الزمان والمكان، ومسألة النسخ

لا شكّ في وقوع النسخ في الشرائع السابقة، وكذلك في بعض أحكام الشريعة الإسلاميّة، والمقصود من النسخ هو: أنّ الشارع المقدّس يرفع حكماً كان قد قرّره في مدّة معيّنة من الزمان لمصلحة فيه بعد انقضاء تلك المدّة. وعليه: فإنّ النسخ في الاصطلاح يختصّ بالأحكام الشرعيّة، وكذلك من اللازم في النسخ أن يتمّ رفع الحكم السابق بواسطة نصّ شرعيّ آخر يدلّ على حكم آخر.

إنّ علماء أهل السنّة لا يرون فرقاً بين النسخ وتأثير الزمان والمكان في الأحكام الشرعيّة، ويقولون بأنّ النسخ عبارة عن إبطال نصّ شرعيّ سابق بوسيلة نصّ لاحق.

أمّا مسألة تغيير الأحكام بسبب شرائط الزمان، فهي عبارة عن عمل بنصّ سابق، ولكن يستفاد منه حكم جديد مبتن على دليل مستفاد من ظروف النصّ تبعاً للمصلحة الزمانيّة; يعني أنّ العمل بحكم النصّ تابع للمصلحة الوقتيّة، فلو تغيّرت المصلحة تغيّر الحكم تبعاً لها، دون أن يكون هناك حاجة لتغيير النصّ. ومن جهة يكون المبطل للعمل بالنصّ في المسألة هو الشارع، ولكن من يغيّر العمل بالحكم في مسألة تغيير المصلحة هو المجتهد(1).

وسوف نذكر لاحقاً(2) أنّ الإماميّة ترى عدم وجود مرجع لإبطال الحكم أو  تغييره سوى الشارع المقدّس. وفي الوقت نفسه هناك تفاوت واضح بين هاتين المسألتين; لأنّ مسألة الزمان والمكان لا ترتبط مباشرة بالأحكام، بل تبحث عن تغيّر وتبدّل الموضوعات وحدوث خصوصيّات جديدة في موضوع معيّن، أو  اختلاف الفهم من ظاهر الدليل.


(1) المدخل إلى اُصول الفقه، للدكتور محمّد معروف الله الواليبي.
(2) في ص302 ـ 303.

صفحه 265

وأمّا مسألة النسخ، فترد مع حفظ الموضوع ومن دون طروّ أيّ تغيير في خصوصيّاته.

5 ـ الزمان والمكان، وقاعدة الأهمّ فالأهمّ

أحياناً يتصوّر الشخص أنّه مع وجود القواعد العقليّة والعقلائيّة ـ من قبيل قاعدة «لزوم تقديم الفعل الأهمّ على الفعل المهمّ» ـ لا تبقى حاجة للبحث في مسألة تأثير الزمان والمكان، ولعلّ هذا المعنى يخطر على الذهن في البداية، وهو أنّ التمسّك بهذه القاعدة يمكنه أن يفي بالإجابة على جميع فروعات مسألة الزمان والمكان.

ولكن لرفع ودفع هذا التصوّر لابدّ من بيان الفرق بين هاتين المسألتين، فرغم وجود الارتباط الوثيق والعميق بينهما، أنّ هناك موارد في مسألة الزمان والمكان تكون هذه القاعدة أجنبيّة عنها.

مثلاً في مسألة بيع وشراء الدم ـ حيث يتمّ تجويزها لدى العقلاء، هذه الأيّام، لوجود المنفعة المعتبرة ـ لا يوجد أيّ ارتباط بينها ، وبين قاعدة تقديم الأهمّ على المهمّ، ولكن من جهة اُخرى تجري هذه القاعدة في موارد لا ترتبط بمسألة تأثير الزمان والمكان، كالمثال المعروف حين الورود إلى المسجد، فلو التفت المكلّف إلى وجود نجاسة في المسجد، وجب عليه فوراً تطهير المسجد منها.

وهذا الفعل يكون أهمّ من الصلاة في الوقت الموسّع.

والملاحظة الجديرة بالاعتبار هي: أنّ اختلاف الأزمنة وحدوث شرائط زمانيّة ومكانيّة معيّنة، بإمكانها إعطاء الأهمّية لفعل من الأفعال. وبعبارة اُخرى: إنّ الموضوع الذي كان عديم الأهمّية في السابق، يضحى مهمّاً في اللاحق.

6 ـ الزمان والمكان، وقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»

من القواعد المهمّة في الفقه الإسلامي قاعدة مفادّها: أنّه في حال وجود


صفحه 266

ضرورة، أو اضطرار لشيء ممنوع شرعاً أو عقلاً، يرتفع المنع أو النهي، ويرتدي الفعل لباس الجواز; من قبيل حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه، ففي صورة الضرورة أو الاضطرار، كالعبور من ملك الغير بدون إذنه لغرض إنقاذ نفس محترمة، يخرج هذا الفعل من دائرة المنع، وعلى أساس هذه القاعدة، فالضرورات تبيح المحظورات، أو الممنوعات(1).

ورغم وجود خلاف ونزاع في تفسير هذه القاعدة، ومدركها، وحدودها، ومواردها، إلاّ أنّها بنحو الإجمال إحدى القواعد المسلّمة التي أجراها الشارع المقدّس في شريعته.

وأمّا مورد جريان هذه القاعدة، فمقيّد بأمرين:

الأوّل: وجود المنع أو النهي.

الثاني: أن يكون المكلّف مضطرّاً إلى ارتكابه.

هذا، والحال أنّ مسألة الزمان والمكان لا تتحدّد بهذين القيدين، فالكثير من الموارد يكون للموضوع حكم جديد مع تغيّر خصوصيّات ذلك الموضوع بمرور الزمان، من دون أن يكون هناك ضرورة واضطرار في البين.

* * *


(1) العناوين: 2: 704.

صفحه 267

الفصل الثاني :
كيفيّة تأثير الزمان والمكان، ودائرتهما

أ) تأثير الزمان والمكان في ملاكات الأحكام

طبقاً لمبنى المعتزلة والإماميّة بأنّ جميع الأحكام مترتّبة على وجود ملاكات; أي المصالح والمفاسد، ولا يوجد حكم من دون الأخذ بنظر الاعتبار ملاك إنشائه، ففي هذا القسم نبحث في تأثير الزمان والمكان بملاكات الأحكام، وارتباطهما بهذه المسألة.

ومع قليل من التأمّل يمكننا أن ندرك جيّداً أنّ الزمان والمكان مؤثِّران قطعاً في إيجاد ملاك معيّن أو رفعه، وكذلك في تضعيفه أو تشديده، ومن الممكن أن لا يكون لفعل مصلحة في زمان معيّن، ولكن نفس ذلك الفعل تترتّب عليه منفعة ومصلحة في زمن آخر، من قبيل بيع وشراء الدم، حيث لم تكن فيه منفعة في السابق، ولكنّه ذو منفعة في العصر الحاضر.

ومن أجل توضيح هذا المطلب: لابدّ من وضع ملاكات الأحكام في أقسام وأنواع مختلفة ودراستها.

ففي تقسيم ابتدائي وسطحي تنقسم الأحكام الشرعيّة إلى أربعة أقسام:

1 ـ أحكام عباديّة.


الصفحة الرئيسية   
السيرة  
المؤلفات  
الدروس  
لقاءات صحفية  
محفظة الصور  
الذکريات  
اتصلوا بنا  
المواقع التابعة